
“الصحافة في خطر، وتتراجع عالمياً”… هذا أنسب تلخيص لواقع حرّية الإعلام، بمناسبة مرور اليوم العالمي لحرّية الصحافة في الثالث من مايو/ أيّار من كل عام. ويكشف تقرير منظّمة مراسلون بلا حدود المعلن في المناسبة أخيراً، أنّ حرّية الصحافة تشهد أسوأ تراجع منذ ربع قرن، وأنّ أكثر من نصف الدول تُصنَّف بيئة صعبة أو خطيرة لممارسة العمل الإعلامي. بل أكثر من ذلك، يظهر المؤشّر انخفاضاً كارثياً في نسبة عدد السكّان الذين يعيشون في بلدانٍ وضع الصحافة فيها جيّد، إلى أقلّ من 1% الآن، بعد أن كانت 20% عام 2002. والنتيجة المباشرة أنّ سبع دول من شمال أوروبا فقط ينطبق عليها هذا المعيار، بينما تعيش بقية بلدان العالم في بيئة إعلامية تتسم بالمخاطرة والتحدّيات. يمكن القول إنّ الصحافة تحتضر وتتدهور، ولا يمكن تخيّل وصف أكثر تعبيراً عن واقع الإعلام المأساوي والسوداوي، بعد أن قتلت دولة الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 260 صحافياً وصحافيةً في قطاع غزّة منذ بدء حرب الإبادة، والعالم يتفرّج، ولم تتحرّك حتى اللحظة آليات المساءلة الدولية والأممية بشكلٍ فعّال لجلب قادة الاحتلال إلى العدالة، بعد أكبر مذبحة شهدتها الصحافة في التاريخ الإنساني.
الصحافة تتراجع في العالم، وهذه حقيقة، مع تمدّد اليمين الشعبوي الذي لا تستهويه الصحافة الحرّة، ولا تهمّه قيم الحرّية والحقوق. ويصبح الإعلام أكثر استهدافاً حين يكون رئيس البيت الأبيض دونالد ترامب، وزعيم أقوى دولة في العالم، معادياً للإعلام، ويوبّخ المراسلين الصحافيين في بلاده، ويتهمهم ليل نهار بالكذب والتلفيق.
لسنوات متتالية، تتربع النرويج على عرش الدولة الأفضل في صيانة حرّية الإعلام ضمن مؤشّر “مراسلون بلا حدود”، تليها هولندا، ثم أستونيا، فالدنمارك، وتحتلّ السويد المرتبة الخامسة. واللافت أنّ الدول الأوروبية الكُبرى، مهد الديمقراطية، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، لا تنافس على صدارة المؤشّر، أمّا الولايات المتحدة فتتراجع، وتحتلّ المرتبة الـ64 عالمياً من بين 180 دولة يشملها التقرير المثير للجدل.
احتلت سورية المرتبة الـ141 بعد أن كانت في ذيل المؤشّر (177) إبّان حكم “البعث“
يُقيّم تقرير مراسلون بلا حدود خمسة مؤشّرات: فهناك السياسي، ويسلّط الضوء على مدى استقلال وسائل الإعلام عن السلطة السياسية وتدخّل الحكومات في المحتوى الإعلامي. أمّا المؤشّر القانوني، فيرصد حالة القوانين المُنظِّمة للإعلام. ويدقّق المؤشر الاقتصادي في الضغوط المالية على وسائل الإعلام والتمويل السياسي. بينما يسعى المؤشّر الاجتماعي لقراءة الضغوط والبيئة المجتمعية. والمؤشر الأخير يتعلّق بالسلامة والأمن، ويرصد الانتهاكات الجسيمة، مثل قتل الصحافيين والاعتقالات، وكل أشكال تهديد السلامة المهنية.
عربياً، تحتلّ معظم الدول مراتب متأخّرة في المؤشّر العالمي، مع استثناءات قليلة؛ إذ تأتي موريتانيا أولاً (المرتبة الـ61 عالمياً)، تليها جزر القمر (المرتبة الـ72 عالمياً)، ثم قطر في المرتبة الثالثة (75 عالمياً)، بينما تقع بقية الدول العربية بعد المرتبة الـ100 عالمياً، وكانت القفزة الإيجابية الوحيدة لسورية، التي تقدّمت بشكل ملحوظ بعد سقوط نظام الأسد، وتولّي الحكم الجديد مقاليد السلطة، فاحتلت المرتبة الـ141 بعد أن كانت في ذيل المؤشّر (177) إبّان حكم “البعث”.
واقع الحال أنّ العالم العربي لم يعد استثناءً في عدم الاهتمام بحرّية الإعلام، وعدم الاكتراث بتقارير المنظّمات الدولية. فمنظومة القواعد التي سادت عقوداً، ومنها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان والمعاهدات والاتفاقات الدولية، لم تعد أكثر من حبر على ورق، وقد أُلقِيَت في سلّة المهملات، والنموذج الذي يتصدّر المشهد هو سيادة منطق القوة والهيمنة، واستخدام العنف في حلّ النزاعات.
لا تبدو الصورة المستقبلية مشرقةً أو آمنةً للإعلام، بل إنّ الجدران تتداعى من حوله
كانت الدول قبل سنوات تستنفر قبل صدور التقارير الدولية، وتحاول تجنيد إعلامها لتبرير تراجعها في مؤشّرات الحرّيات، أمّا اليوم، فإنّها تسأل بسخرية واستنكار: ماذا فعلتم لدولة مارقة وعنصرية مثل إسرائيل، تقتل كلّ يوم الصحافيين، وتعتقلهم، وتعذّبهم في سجونها، ولا تنكر جرائمها، بل تمنع أمام الكاميرات إنقاذ الصحافيين الذين تستهدفهم طائراتها؟ الجواب: لا شيء. وتؤكّد منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أنّ العنف لا يزال مستمرّاً ومتزايداً ضدّ الصحافيين، والأخطر هو الإفلات من العقاب؛ إذ تشير الأرقام إلى أنّ 85% من جرائم قتل الصحافيين يفلت مرتكبوها من العقاب، وتحذّر لجنة حماية الصحافيين من تزايد أعداد الصحافيين السجناء حول العالم، وأنّ المعتقلات أصبحت أداةً لإسكات الصحافة.
في زمن التحوّلات العالمية، وتصدّر منصّات التواصل الاجتماعي المشهد، وانحسار حضور الصحافة المحترفة، وتعاظم مشكلات الأمن الوظيفي للصحافيين، لا تبدو الصورة المستقبلية مشرقةً أو آمنةً للإعلام، بل إنّ الجدران تتداعى من حولها، وقد يطلق الذكاء الاصطناعي رصاصة الرحمة عليها، وليس الطغاة والحكام المستبدّون.
الجماعة الصحافية في العالم لا تملك خيارات كثيرة سوى المواجهة والكفاح لإعادة الاعتبار لهذه المهنة المُقدَّسة، وهم يردّدون (مع عبد العزيز المقالح) في كلّ لحظة: “سنظلّ نحفر في الجدار/ إما فتحنا ثغرة للنور/ أو متنا على وجه الجدار”.
المصدر: العربي الجديد






