النظام السياسي الفلسطيني في طريق الانهيار؟

سمير الزبن

                                                       

كان الانتقال من النظام السياسي الفلسطيني الذي شكّلته منظّمة التحرير الفلسطينية إلى النظام السياسي المبني على الأرض الفلسطينية، عبر صيغة اتفاقات أوسلو (1993)، في جانب من جوانبه، محاولة للخروج من المأزق الذي عاناه النظام السياسي المُفتقِد الإقليم الجغرافي. وكانت العودة إلى الأراضي الفلسطينية، بشكل أو بآخر، حلّاً لمشكلة الإقليم، ولو على حساب تشظّي المشروع الوطني الفلسطيني، ولكنّ هذا الحلّ لم يُجب عن الأسئلة الفلسطينية التاريخية، وأدخل النظامين السياسيين، الجديد والقديم، في مشكلات جديدة غير قابلة للحلّ. ففي وقت انتُقل فيه إلى الإقليم الفلسطيني، فقد النظام السياسي المبني على قاعدة “الوطن المعنوي”، الذي شكّلته منظّمة التحرير، معانيه التي ترسّخت عبر التجربة الفلسطينية، من دون أن تنتقل هذه المعاني إلى الوطن الجغرافي المجزّأ الذي ظهر بفعل اتفاقات أوسلو. وما زاد من تعقيد المشكلات التي دخل فيها النظام السياسي الفلسطيني، وصول خيار المفاوضات مع إسرائيل إلى طريق مسدود، وانفجار الانتفاضة الثانية (2000). هذا التعقيد الذي ظهر، بصورة ملموسة، من خلال الأداء السياسي الفلسطيني.

لقد طرحت اتفاقات أوسلو، بوصفها تحوّلاً عميقاً (ونوعياً) في التجربة الفلسطينية، سؤال مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وسؤال مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني وآفاقه. وأكّدت الانتفاضة الفلسطينية، والقيود التي ظهرت على حركة القيادة الفلسطينية، هذَين السؤالَين، وجاءت وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزّة، ليجعلا سؤال النظام السياسي الفلسطيني، وسؤال المشروع الوطني، من الأسئلة الملحّة. ومع استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي، وصولاً إلى عملية “طوفان الأقصى”، وحرب الإبادة الجماعية التي شرعت فيها إسرائيل إثر هذه العملية، وجرفت فيها البشر والحجر، أصبح سؤال النظام السياسي سؤال وجود وعدم.

مع انتخاب محمود عبّاس رئيساً للسلطة، دخلت الساحة الفلسطينية في صراع حادّ تكرّس في الانتخابات التالية، التي حصلت خلالها حركة حماس على أغلبية في المجلس التشريعي. أسّس الصراع، ونتائج الانتخابات (لم تُرضِ أحداً سوى “حماس” المدهوشة بنجاحها الكبير)، للصدام المسلّح الدموي بين الطرفَين عام 2007، ونتج عنه كيانَان فلسطينيَّان، أحدهما في قطاع غزّة بإدارة “حماس”، والثاني في الضفة الغربية بإدارة حركة فتح.

كلّ الحديث عن “ديمقراطية غابة البنادق” كان صياغات دعائية أكثر منه حياة سياسية حقيقية

لم يعرف الفلسطينيون في تاريخهم الحديث الديمقراطية ولا المؤسّسات، لأنّهم أصلاً لم يعرفوا الدولة، والانتخابات التي عرفها الفلسطينيون أُجريت مرَّتَين، وهذه التجربة لا تصنع تقاليد ديمقراطية. كما لم يعرف الفلسطينيون المؤسّسات في تجربة منظّمة التحرير في المنفى، فكلّ الحديث عن “ديمقراطية غابة البنادق” كان صياغات دعائية أكثر منه حياة سياسية حقيقية، وما عرفته الديمقراطية الفلسطينية هو “ديمقراطية الكلام”، وهي “ديمقراطية” أنجزها واقع الشتات، فلم تكن القيادة الفلسطينية في تلك الأيام قادرة على احتكار وسائل العنف وممارسته على الفلسطينيين في المنافي، فقد كانوا يخضعون لسلطات إكراهية أخرى. لقد كانت التجربة الفلسطينية المعاصرة باهرة في وطنيتها، وفي مقدرة الشعب الفلسطيني على التضحية والتمسّك بحقوقه، ولكنّها لم تكن باهرة في أدائها المؤسّساتي، ولم تعرف الديمقراطية التي طالما تباهى بها الفلسطينيون.

وبتواصل الصراع بين قطبي الساحة الفلسطينية، تشظّى النظام السياسي الفلسطيني بين نظامَين بمرجعيتَين مختلفتَين، ولكلّ طرف تحالفاته ومرجعياته. وعلى الرغم من الكلام عن الحوارات بين الطرفَين على مدار سنوات، استُخدمت الحوارات للتوغّل في الانقسام بين الطرَفين، وكلٌّ يبني فيها قواعد ترسّخ سلطته الذاتية في مواجهة الطرف الآخر. فكان استئثار الطرفَين، مع افتراض أنّ المعركة الرئيسة كانت مع الاحتلال، الذي بدل أن يتراجع، عاد ليحتلّ أراضي ومدناً فلسطينية تخلّى عنها.

لم يعرف الفلسطينيون في تاريخهم الحديث الديمقراطية ولا المؤسّسات، لأنّهم لم يعرفوا الدولة

أدارت “حماس” حروبها مع إسرائيل بقرار ذاتي، فاحتكرت قرارَي السلم والحرب في قطاع غزّة، وتواترت الحروب هناك، أو بالأصح الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وصولاً إلى «طوفان الأقصى» التي استدعت الحرب الإسرائيلية الأكثر وحشية، التي لا تزال مستمرّة منذ أكثر من عامَين، واستدعت متغيّرات لم تنجُ منها دول المنطقة، خاصّة “محور الممانعة”. واليوم، تعمل إسرائيل مرّة أخرى لإخفاء الفلسطينيين من الخريطة السياسية في المنطقة، فدمّرت ما دمّرت، وتعمل من جديد، رغم فشلها، لتهجير الفلسطينيين. وهذا لا يشمل قطاع غزّة فحسب، بل الضفة الغربية أيضاً. وهذا العدوان المستمرّ، المدعوم من كثير من دول العالم، وفي مقدّمتهم الولايات المتحدة، يهدّد النظام السياسي الفلسطيني، والوجود الفعلي للشعب الفلسطيني. ولا تبدي القوى السياسية الفلسطينية أي حساسية تجاه المخاطر المحدقة بالشعب الفلسطيني، أو أنّها عاجزة عن القيام بأي فعل، ما يزيد من هذه المخاطر. والوضع ليس بحاجة إلى ذكاء كثير، ليعرف المرء أنّ متغيّرات كُبرى مقبلة على المنطقة، وستصيب الفلسطينيين أكثر من غيرهم، لذلك فإنّ الحالة الفلسطينية الهشّة القائمة قابلة للانهيار، وللانهيار السريع، وفي مقدمتها النظام السياسي الفلسطيني المُهترئ.

وُلد النظام السياسي الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية، في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، وبحكم ولادته هشّاً، في ظلّ اتّفاق انتقالي يُبقي اليد العليا للاحتلال، أصبح الاحتلال، بوصفه مرجعية الحكم الذاتي، يتحكّم في العملية السياسية إلى حدّ كبير، فهو من يسمح بالانتخابات وهو من يمنعها. وهذا التحكّم لم يمنع الصراع الداخلي الفلسطيني من الوصول إلى مرحلة دموية، وانقسام ما زال قائماً، رغم الحرب الوحشية على قطاع غزّة، التي ارتكبت فيها إسرائيل جرائم حرب، وهدّمت بالقذائف أغلبية الأبنية في القطاع، فيما تستمرّ حرب الاستيطان والاقتلاع في الضفة الغربية.

لم يتعلم الفلسطينيون من المخاطر التي تهدّدهم اليوم (يعادل ما حلّ بهم النكبة الكبرى إن لم تكن أكبر منها) درس الوحدة ورؤية المخاطر الكارثية المحدقة. لذلك، لا يسير النظام السياسي الفلسطيني في اتجاه الانهيار فحسب، بل إنّ القضية الفلسطينية كلّها باتت في لحظة كارثية لا يحاول أحدٌ، فلسطينياً، التعامل معها، وكأنّ القوى السياسية الفلسطينية، بأطيافها كلّها، تدفن رأسها في التراب، ولا تريد أن ترى الواقع الكارثي القائم. فهل بات النظام السياسي الفلسطيني من الماضي، من دون أن يولد بديل عنه يحمل قضية الفلسطينيين في الأيّام المقبلة؟

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى