
تحت وقع الحصار البحري على إيران، وبعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً التي يمكن للرئيس الأميركي خلالها القيام بعمليات عسكرية من دون الرجوع إلى الكونغرس، يأتي تكليف علي الزيدي رئاسة الحكومة العراقية، في 27 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، حدثاً غير عادي في سياق السياسة العراقية. لكنّه، في الوقت نفسه، لا يشكّل بالضرورة قطيعة مع ما سبق. فالرجل الذي يُقدَّم تكنوقراطياً مستقلّاً يأتي في لحظة انسداد سياسي حادّ، ويصعد إلى السلطة عبر التوافقات نفسها التي أنتجت الأزمات المتراكمة منذ عام 2003. من هنا، لا تكمن أهمية هذا التكليف في شخص الزيدي، مع الاحترام لشخصه بالطبع، بقدر ما تكمن في الدلالة السياسية لصعوده، لأنّنا قد نكون أمام محاولة أميركية لتغيير النظام الذي أنتجته هي بالذات عبر سياسة مندوبها السامي للعراق بول بريمر، وقد تكون هذه الخطوة بداية تحوّل فعلي في نمط الحكم، وقد تكون، من جهة ثانية، تكريساً له بتغيير الوجوه والفاعلين المحلّيين على وقع التغيّرات الاستراتيجية التي حصلت خلال السنتَين الماضيتَين. لا يعني هذا أنّ أميركا تسعى لتحقيق شعار نقل الديمقراطية للعراق، الذي كان أحد حجج احتلاله، بل هو تغيير للآليات التي لم تعد متناسبة مع الوضع الراهن.
لم يتدرج الزيدي في الأحزاب التقليدية، ولم يُعرف بخطاب سياسي أو أيديولوجي واضح، بل جاء من عالم المال والأعمال. غير أنّ هذا الاختلاف الظاهري عمّن سبقه من رؤساء الحكومات منذ 23 سنة لا يُخفي حقيقة أساسية، وهي أنّ وصوله إلى رئاسة الحكومة لم يكن نتاج دينامية سياسية جديدة، بل نتيجة تسوية داخل الإطار التنسيقي (الشيعي)، الذي لا يزال يمسك بمفاصل القرار. بعبارة أخرى، لا يمثّل الزيدي خروجاً عن النظام السياسي القائم، بل يعكس تحوّلاً في أدواته. ربّما شكّل ذلك انتقالاً من النُّخب الحزبية إلى النُّخب الاقتصادية المرتبطة بها، أو مرحلة وسطى من تمثيل أكثر نفعية لضرورات المرحلة الراهنة، على اعتبار أنّ حروب أميركا مع دونالد ترامب (في ولايته الثانية) باتت واضحةً ومعلنةً من أجل تكريس هيمنتها الاقتصادية على العالم. وهذا التحوّل لا يعني بالضرورة إصلاحاً، بل قد يكون مجرّد إعادة تموضع ضمن البنية نفسها.
جاء تكليف الزيدي بعد انسحاب شخصيات بارزة من السباق، في خطوة بدت أقرب إلى تفادي صدام محتمل مع الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة. الترحيب السريع من السفارة الأميركية في بغداد، ثمّ الاتصال الهاتفي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودعمه المتكرّر للزيدي، تعكس جميعها استعداد واشنطن للتعامل مع هذه الشخصية. لكنّ هذا القبول لا ينفصل عن طبيعة المرحلة، فالولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع العراق فقط من زاوية الصراع السياسي، بل من زاوية إدارة النفوذ الاقتصادي والمالي أيضاً، كما سبقت الإشارة، بما في ذلك ضبط حركة الدولار والحدّ من تسرّبه إلى إيران. وفي هذا السياق، تبدو خلفية الزيدي المصرفية عاملاً مهمّاً في حسابات واشنطن، رغم أنّ ثمّة من يقول إنّ الرجل ومصرفه، ونشاطه الاقتصادي، مُدرجة في قوائم المتابعة الأميركية. في المقابل، وممّا يثير الريبة أيضاً، أنّ طهران لا تبدو معترضةً على تكليفه، لكنّها أيضاً لم تمنحه تفويضاً مفتوحاً بعد. فالنظام السياسي الذي أوصله إلى السلطة يظلّ خاضعاً لتوازنات دقيقة، تتيح لإيران الحفاظ على نفوذها من خلال حلفائها في البرلمان والفصائل المسلّحة.
لم تعد الدولة فقط إطاراً لإدارة السلطة، بل أصبحت ساحةً لإدارة الموارد المالية والتدفّقات الاقتصادية في سياق إقليمي ودولي معقّد
وهكذا، يجد الزيدي نفسه منذ اللحظة الأولى في موقع معقّد، بين رغبة أميركية في شريك قابل للإدارة والتفاهم والتعاون، وحرص إيراني على عدم خسارة موقع استراتيجي متقدّم في ساحة الصراع مع دول الإقليم ومع بقية العالم. التحدّي الأبرز الذي يواجه الزيدي لا يرتبط فقط بعلاقاته الخارجية، بل بطبيعة النظام الداخلي. فالرجل، الذي شغل مواقع متقدّمة في القطاع المصرفي، يأتي من بيئة اقتصادية وُجّهت إليها اتهامات تتعلّق بتهريب الدولار واستغلال الثغرات المالية. هذا المعطى يطرح سؤالاً جوهرياً عن قدرة مَن هو جزء من منظومة فاسدة على قيادة عملية إصلاحها. ومن جهة أخرى، ثمّة من يرى أنّ خبرته قد تمكّنه من فهم هذه الثغرات ومعالجتها، لكن ثمّة أيضاً خشية من أن يتحوّل وجوده إلى غطاء أكثر كفاءة لاستمرارها. وفي الحالتين، يبقى واضحاً أنّ الفساد في العراق ليس مجرّد خلل إداري، بل بنية متشابكة يصعب تفكيكها من دون صدام مع القوى التي تستفيد منها.
رغم الخطاب الذي يقدّم الزيدي شخصيةً مستقلّةً، فإنّ الواقع السياسي يفرض عليه قيوداً واضحة. فعملية تشكيل الحكومة ستخضع، كما جرت العادة، لمعادلات المحاصصة وتوازنات القوى بين الكتل السياسية. هذا يعني أنّ أيّ محاولة للخروج من هذا الإطار ستواجه مقاومة مباشرة، ليس فقط من القوى السياسية، بل من شبكة مصالح واسعة تشكّلت على مدى سنوات. ومع ذلك، يراهن جزء من الشارع العراقي على إمكانية تحقيق اختراق، ولو محدوداً، عبر التركيز على تحسين الخدمات وتفعيل الاقتصاد، بعيداً عن الخطابات الطائفية. لكن نجاح هذا الرهان يبقى مرتبطاً بمدى قدرة رئيس الحكومة على إعادة ترتيب الأولويات داخل منظومة لا تزال قائمة على تقاسم النفوذ. كذلك يقوم، بدرجة أكبر، على نتيجة الصراع في الخليج العربي، فإذا استسلمت إيران للشروط الأميركية رضائياً عبر المفاوضات، أو قسراً عبر الحصار والحروب، فإنّ القيود التي تكبّل الزيدي وغيره ممّن سيخلفه ستكون أقلّ بكثير من الآن. ساعتها، لن يبقى للفصائل المسلّحة، وللحشد الشعبي، ولبقية المليشيات، تلك السطوة، وستبدأ الأمور بالانفراج شيئاً فشيئاً، وقد توصل إلى بداية طريق دولة المواطنة لا المحاصصة الطائفية.
تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة صيغة سياسية أقلّ صداماً في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في العراق
يعكس صعود الزيدي أيضاً تحوّلاً أوسع في طبيعة الحكم، فتتداخل السياسة مع الاقتصاد بشكل متزايد. فالدولة لم تعد فقط إطاراً لإدارة السلطة، بل أصبحت ساحةً لإدارة الموارد المالية والتدفّقات الاقتصادية في سياق إقليمي ودولي معقّد. وفي حالة العراق، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على الريع النفطي، تصبح السيطرة على النظام المالي مسألةً سياديةً بامتياز، لكنّها في الوقت نفسه عرضة لتدخّلات خارجية وضغوط داخلية. هذا هو بالذات مربط الفرس الأميركي، فالنفط والدولار والاقتصاد عموماً هو ما تحارب لأجله أميركا.
مع هذا كلّه، لا يمكن التعامل مع تكليف علي الزيدي بوصفه لحظة تغيير جذري، لكنّه في الوقت نفسه ليس حدثاً عابراً. فهو يكشف عن محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام، وتقديم صيغة أقل صداماً في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية. غير أنّ نجاح هذه التجربة سيبقى مرهوناً بعوامل تتجاوز شخص رئيس الحكومة، وفي مقدّمها طبيعة النظام السياسي القائم، وتوازنات القوى الإقليمية، وقدرة الدولة على استعادة دورها المؤسّسي. في هذا السياق، لا يبدو السؤال المطروح عمّا إن كان الزيدي مختلفاً عمّن سبقه، بل عمّا إن كان قادراً على العمل خارج القواعد التي حكمت التجارب السابقة. حتى الآن، لا توجد مؤشّرات حاسمة. لكنّ الواضح أنّ العراق يقف مجدّداً أمام اختبار مألوف: تغيير في الوجوه، في ظلّ استمرار البنية نفسها. ويستحقّ العراقيون نظاماً أفضل من نظام البعث البائد، ومن نظام المحاصصة الطائفية الراهن.
المصدر: العربي الجديد






