
مع اقتراب انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري، بعد طول انتظار، تتجه أنظار السوريين إلى هذه اللحظة المفصلية، أملاً في أن يتمكن المجلس من الارتقاء إلى مستوى تطلعاتهم، وأن يؤدي دوره كاملاً بعيداً عن أي تدخلات أو إملاءات، بما يسهم في بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والفصل الحقيقي بين السلطات.
تُلقى على عاتق المجلس مهام كبيرة على المستويين التشريعي والرقابي، في ظل تحوّل شكل النظام السياسي من شبه رئاسي إلى رئاسي، وفي سياق مرحلة انتقالية معقدة تفرضها خصوصية التجربة السورية وتشابك عواملها.
في مقدمة الأولويات، تبرز الحاجة إلى سنّ تشريعات عاجلة تعالج التدهور المعيشي للمواطن، من تدني الدخل، وتراجع الخدمات، واتساع نطاق شبهات الفساد في بعض المؤسسات، وذلك في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة أو منهجية محددة، ما يفرض الإسراع في إطلاق مشروع وطني لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جامعة.
كما تحضر قضية العدالة الانتقالية بوصفها استحقاقاً لا يحتمل التأجيل، عبر إقرار قانون يضمن جبر الضرر، ويرسّخ السلم الأهلي، ويتواكب مع مسار محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد، في ضوء ما يتكشف تباعاً من ملفات صادمة تعود إلى تلك المرحلة.
وفي السياق ذاته، تبرز ضرورة إصدار قانون عصري للأحزاب، وتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني، بما يعكس التعدد الطبيعي في المجتمع السوري، فكرياً وسياسياً وثقافياً، وكذلك دينياً وقومياً. فالتعددية السياسية المنظمة تمثل عنصر قوة، ولا ينبغي أن تُقابل بالريبة أو تُخضع لمنطق التخوين.
اليوم، يحتاج السوريون إلى حياة سياسية فاعلة، تتنافس فيها القوى المختلفة على تقديم برامج واقعية، تعكس نضج التجربة الوطنية، وتؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز أنماط العمل السياسي السابقة.
ولا يمكن للمجلس أن ينجح في أداء دوره دون بيئة داعمة، تقوم على حرية الإعلام، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، لا سيما في مواجهة الفساد والكسب غير المشروع، إلى جانب تفعيل دور النقابات والمؤسسات المهنية في دعم الحياة العامة.
ولا تكتمل عملية بناء الدولة دون قيام مجلس الشعب بدوره الكامل، الذي يتجاوز التشريع والرقابة إلى رسم السياسات العامة، وإقرار الموازنة، والمصادقة على الاتفاقيات، وصولاً إلى المساهمة في صياغة دستور دائم مع نهاية المرحلة الانتقالية.
وفي ظل التعقيدات والضغوط التي تحيط بالمرحلة الراهنة، تبدو الحاجة ملحّة إلى مجلس منسجم مع بقية السلطات، من دون أن يتخلى عن دوره الرقابي، وبما يجنّبه الوقوع في فخ التعطيل أو الانزلاق إلى صراعات تعرقل مسار البناء.
وفي المحصلة، لا يقف السوريون اليوم أمام استحقاق إجرائي عابر، بل أمام لحظة تأسيسية ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. فإما أن ينجح مجلس الشعب في أن يكون سلطة تشريعية حقيقية تعبّر عن الناس، وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات، وإما أن يُعاد إنتاج أنماط سابقة فقدت ثقة المجتمع وأضعفت الدولة.
إن الرهان لم يعد على الشعارات، بل على الأداء والقدرة على تحويل التطلعات إلى سياسات وتشريعات ملموسة. وأي إخفاق في هذه المهمة لن يكون مجرد تعثر سياسي، بل كلفة إضافية يدفعها السوريون من استقرارهم ومستقبلهم.






