سوريا التي تخرج من حفرة التضامن

فارس الذهبي

كانت حفرة التضامن صورة مكثفة عن سوريا التي أرادها نظام الأسد، حفرة كبيرة يُساق إليها الناس أحياء، ثم يُقتلون على حافتها، وتُردم أجسادهم تحت سمع العالم وبصره.

في ذلك المشهد المرعب، ظهر أمجد اليوسف كابن مباشر لماكينة القتل الأسدية. “مساعد” صاغته السلطة، دربته، منحته السلاح، أطلقت يده، وعلّمته أن الإنسان والمواطن السوري هدف مباح. لذلك تبدو جريمته أكبر من شخصه. في الحقيقة، أمجد اليوسف هو بشار الأسد وقد اختُصر في فرد، وبشار الأسد هو أمجد اليوسف وقد تمدد في هيئة دولة.

في تلك الحفرة الملعونة، قُتل مدنيون أبرياء، ودُمرت عائلات، وارتقى شهداء صاروا جزءاً من ذاكرة سوريا المفتوحة. كل شهيد من شهداء التضامن يشبه الشعب السوري كله، في خوفه، في عزلته، في لحظة اقتياده إلى الموت، وفي براءته الكاملة أمام آلة القتل.

بشار الأسد يتحمل وزر الحفرة كاملاً، ومعه كل بنية القتل التي أطلقت المجرمين على السوريين. الجريمة في التضامن جريمة دولة، جريمة نظام، جريمة سلطة دربت القاتل على تدمير الجسد السوري والروح السورية معاً.

على حافة الحفرة الملعونة، وقف الشعب السوري برمته، من سقط فيها قُتل مرة واحدة. ومن نجا من السوريين حمل معه جزءاً من روحه إلى هناك. بقيت الحفرة في داخله، في ذاكرته، في خوفه، في صور أحبته، وفي شعوره بأن البلاد كلها مرت من ذلك المكان.

حفرة التضامن تختصر جوهر النظام الأسدي. سلطة أرادت تحويل الوطن إلى مقبرة، والناس إلى أرقام، والجريمة إلى خطاب يومي. أمجد اليوسف ضغط الزناد، وبشار الأسد صنع اليد التي ضغطت، وصنع المؤسسة التي حمت القاتل، وصنع اللغة التي بررت القتل، وصنع الصمت الذي أحاط بالمجزرة.

بشار الأسد يتحمل وزر الحفرة كاملاً، ومعه كل بنية القتل التي أطلقت المجرمين على السوريين. الجريمة في التضامن جريمة دولة، وجريمة نظام، وجريمة سلطة دربت القاتل على تدمير الجسد السوري والروح السورية معاً.

هؤلاء الشهداء الذين قفزوا لم يسقطوا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم وثقوا، ولو للحظة أخيرة، بوعد نجاة زائف. وفي هذه الثقة المقتولة ما يوازي مأساة السوريين جميعاً. كم مرة سيق شعب كامل إلى الحفرة عبر الوعد بالحماية؟ كم مرة أُخيف الناس من قناص متخيل ليدفعوا بأنفسهم نحو الهاوية؟

لهذا مرّ الشعب السوري كله من حفرة التضامن. من سقط فيها فعلاً، ومن عبر حافتها ونجا، ومن بقي يحمل رعبها في داخله. بعض السوريين قفزوا وابتلعتهم الحفرة. بعضهم أفلتوا من حافتها في اللحظة الأخيرة. وبعضهم ما زالوا حتى اليوم يحاولون الخروج منها، من معناها الثقيل، من ردمها النفسي والأخلاقي.

تكمن فظاعة الجريمة التي تمثلت في أمجد يوسف، بوصفه صورة مصغرة عن بشار الأسد، في القتل نفسه، وفي ما سبق القتل من خديعة. الرصاص كان خاتمة الجريمة، أما بدايتها فكانت الكذب. أمجد لم يدفع ضحاياه إلى الحفرة بالقوة وحدها، بل دفعهم بالخداع، حين أوهمهم بوجود قناص يتربص بهم،

وحين وعدهم بأن القفز سبيل النجاة، في حين كان هو الشر الكامن في الجهة التي زعم أنه يحذرهم منها. هنا يبلغ الإجرام ذروته، حين يتنكر القاتل في هيئة منقذ. وذلك بالضبط ما فعله بشار الأسد مع سوريين ممن صدقوه؛ خوّفهم من أخطار قال إنها تحدق بهم، من الفوضى، ومن العدو، ومن الخراب، وقدم نفسه حارساً وحامياً، في حين كان الخراب يخرج من سلطته، وكان الشر يتمثل فيه هو ذاته. مأساة الضحايا أن بعضهم قفز فوق الحفرة ونجا بمحض المصادفة أو القدر، وبعضهم لم تسعفه النجاة، فارتقى غدراً على يد الأسد وجنده. في هذه اللحظة يصبح مشهد الحفرة أكثر من مجزرة؛ يصبح استعارة لمصير شعب خُدع قبل أن يُقتل.

لقد حوّل الأسد سوريا إلى حفرة كبيرة، وكانت نيته أن يدفن الجميع فيها: خصومه قبل أنصاره، وأنصاره ومنهم المجرم أمجد قبل ضحاياه، وكل من صدّق روايته أو خاف منها أو عجز عن النجاة من قبضتها. جريمة التضامن، في جوهرها، جريمة قتل جماعي ذات بنية طائفية واضحة، لكنها أيضاً جريمة سلطة ضد المجتمع كله؛ سلطة صنعت القاتل، وسلحته، وحرّضته، ثم تركته يقتل باسمها. ومن هنا يصير سؤال الحفرة سؤال سوريا كلها: هل تستطيع البلاد أن تخرج من حفرة التضامن؟ تلك الحفرة الرمز، الحفرة التي أصبحت سؤالاً.

حفرة التضامن دخلت ذاكرة الجرائم الكبرى في العالم. اسمها صار قريناً للرعب، وللإبادة، ولقدرة السلطة حين تتحول إلى وحش قتل عارٍ.

الخروج يبدأ بعدالة ننتظرها، عدالة تسمّي القاتل باسمه، وتضع أمجد يوسف في موضعه الحقيقي، تماماً كما حصل، في قفص الاتهام، أداة في يد نظام، وشاهداً على رأس الجريمة الأكبر، بشار الأسد. عندها فقط يمكن لسوريا أن تبدأ بالخروج من الحفرة، دون نسيان. يبدأ الخروج عبر الاعتراف، والمحاسبة، ورد الأسماء إلى أصحابها، ورد الشهداء إلى ذاكرة وطنهم.

أراد القاتل أن يردم الحفرة وأن يفر من معناها وذكراها. التراب الذي غطى الضحايا صار وثيقة اتهام. الدم الذي اختلط بالغبار صار شاهداً. الصمت الذي أحاط بالمكان صار عاراً عالمياً.

حفرة التضامن دخلت ذاكرة الجرائم الكبرى في العالم. اسمها صار قريناً للرعب، وللإبادة، ولقدرة السلطة حين تتحول إلى وحش قتل عارٍ. في تلك الحفرة رأى العالم سوريا وهي تُقتل أمامه، ورأى أيضاً وجه القاتل بلا قناع.

سوريا كلها كانت هناك. الشهداء كانوا هناك، والناجون كانوا هناك، والمعتقلون، والمفقودون، والمنفيون، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا في غياب آبائهم. كل السوريين مرّوا من حافة تلك الحفرة، وكل واحد منهم ترك فيها شيئاً من روحه.

اليوم اعتُقل القاتل أمجد، وغداً ستبدأ العدالة ولو متأخرة، وسيخال لنا أن كل شيء سينتهي، ستُعبد شوارع التضامن، وستمتلئ الشرفات بأصص الزهور والأحاديث الصغيرة الدافئة، لكن حفرة التضامن المخفية تحت الأرض ستبقى شاهداً على جريمة أمجد اليوسف، وعلى الجريمة الأكبر التي صنعها بشار الأسد. ستبقى شاهداً على بلد حاول الطاغية دفنه، فخرج من تحت التراب شاهداً عليه.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى