
لقد هزّ الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما تلاه من ضربات انتقامية إيرانية استهدفت منشآت أميركية في مختلف أنحاء المنطقة، أحد أهمّ ما يتميّز به الخليج: الاستقرار. فعلى مدى عقود، حرصت دول الخليج على ترسيخ صورة الأمن والقدرة على التنبّؤ في منطقة تتسم بالاضطرابات. وقد نجحت مدن مثل دبي، والدوحة، وأبوظبي، في تعزيز مكانتها مراكز عالمية للطيران، والتمويل، والسياحة، والثقافة، وتصدير الطاقة، فأصبحت منافذ مهمّة بين الشرق والغرب، وجذبت مستثمرين عديدين من خلال الأنظمة الضريبية التشجيعية والعوائد المرتفعة.
وقد أظهرت الأحداث في الأسابيع الستّة الماضية سرعة تلاشي هذا التصوّر مع تصاعد العدوان الإيراني بذريعة الردّ على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، ما سبَّب إغلاق المجالات الجوّية والتهديدات التي طاولت البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة ومحطّات تحلية المياه، واستمرار تعرّض المنطقة للتقلّبات الجيوسياسية. وترتّب على هذا إجلاء آلاف المقيمين والشركات الغربية من المنطقة أو تعليق عملياتها بشكل مؤقّت، الأمر الذي يسلّط الضوء على الهشاشة الديمغرافية والاقتصادية الكامنة في نموذج التنمية الحالي في الخليج.
إشراك إسرائيل في الترتيبات الأمنية الخليجية أدّى إلى نقل أحد أكثر الصراعات المستمرّة في العالم مباشرةً إلى البيئة الاستراتيجية الخليجية
وبعيداً من الأزمة الأمنية المباشرة، كشف الصراع نقاط ضعف هيكلية أعمق في البيئة الاستراتيجية للخليج. ففي السنوات الماضية، استثمرت الحكومات الإقليمية رأس مال دبلوماسياً كبيراً لخفض التوتّر مع إيران. وقد أثار التقارب الذي توسّطت فيه الصين بين إيران والسعودية توقّعات بأنّ المنطقة قد تتجاوز تدريجياً عقوداً من المواجهة. وفي الوقت ذاته، واصلت دول الخليج تعميق شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، فوسّعت كلٌّ من الإمارات والبحرين التعاون السياسي والأمني والاستخباري مع إسرائيل. وبعد المواجهات القصيرة، والمكثّفة، التي استمرّت 12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025، اعتقد العديد من المراقبين الإقليميين أنّه يجب تعزيز هذه الترتيبات بشكل أكبر لضمان بيئة أمنية أكثر استقراراً. غير أنّ هذه الافتراضات قُوّضت عندما اتخذت الولايات المتحدة وإسرائيل إجراءات عسكرية من دون مشاورة شركائهما في الخليج. ولم تقتصر الضربات الانتقامية الإيرانية على انتهاك سيادة الدول الخليجية فحسب، بل عطّلت أيضاً شرايين النفط والغاز الحيوية في أنحاء المنطقة. وكشفت هذه الواقعة حدود الضمانات الأمنية الخارجية، وأثارت تساؤلاتٍ عن مدى مراعاة القوى الكُبرى للمخاوف الاستراتيجية الخليجية.
أمن الطاقة والثقة في الأسواق
تُعدُّ أسواق الطاقة شديدة الحساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية، إذ لا تستطيع الدول المستوردة الانتظار حتى انتهاء النزاعات أو الحروب قبل تأمين إمدادات بديلة. وبمجرّد التشكيك في الموثوقية، تبدأ عمليات البحث عن بدائل بسرعة. ولهذه الديناميكية أهمية خاصّة في ما يخص الغاز الطبيعي المسال، نظراً إلى دوره المحوري في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد لعدّة دول خليجية. وعلى عكس النفط، الذي يُتداول غالباً في أسواق فورية ومرنة، يعتمد الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير على عقود طويلة الأمد وجداول تسليم يمكن التنبؤ بها. وعندما تتعطّل هذه الترتيبات، قد تستغرق إعادة بناء العلاقات التجارية سنوات.
وتُظهر التجربة التي تلت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 مدى سرعة تكيف الأسواق، ووفقاً لتقرير سوق الغاز الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة (2024)، نوّعت الدول الأوروبية والآسيوية المستورِدة مصادر الإمداد لتقليل التعرّض للمخاطر الجيوسياسية. وعلى الرغم من استفادة دول الخليج من ارتفاع الأسعار في البداية، زاد هذا، في الوقت نفسه، من تنافسية النفط والغاز الأميركيين. وتحت ضغط سياسي مستمرّ من واشنطن، حلّت صادرات الطاقة الأميركية محلّ معظم الاعتماد السابق لأوروبا على الغاز الروسي.
ويهدّد تحوّل مماثل الآن شركات التصدير في الخليج، ففي حين أصبحت أوروبا تعتمد بشكل متزايد على الإمدادات الأميركية، يعمل الزبائن التقليديون لدول الخليج في آسيا على تقليل تعرّضهم للمخاطر. ولقد أجبرت الاضطرابات التي شهدتها منشأة رأس لفّان الصناعية في قطر شركة قطر للطاقة على إعلان حالة القوة القاهرة بشأن عدد من عقود الغاز الطبيعي المسال، ما سمح للمشترين بالبحث عن مورّدين بديلين. كما زادت الهند وارداتها من النفط الخام الروسي بأسعار مخفضة، في حين نوّعت دول مثل تايلاند، وكوريا الجنوبية، واليابان، مصادر إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال لتقليل تعرّضها لانقطاع الإمدادات وتقلبات الأسعار.
وأما في ما يخص الشركات المصدّرة في الخليج، فالدلالة الاستراتيجية واضحة: استعادة الثقة في موثوقية الإمدادات طويلة الأجل أمر ضروري. ومن ثمّ، يجب أن تصبح حماية البنية التحتية للطاقة، وتأمين طرق التصدير، وتطوير ممرّات بديلة، ركائزَ أساسيةً في جهود التعافي في مرحلة ما بعد الصراع. ويتطلّب تحقيق ذلك رؤيةً استراتيجيةً واسعةً تضع الخليج ضمن الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للمنطقة العربية.
إعادة النظر في الاعتماد على الأمن الخارجي
من المرجّح أن تؤدّي هذه الأزمة إلى تكثيف المناقشات حول اعتماد دول الخليج على الضمانات الأمنية الخارجية. وقد بدأت هذه التساؤلات بالفعل في الظهور عقب التصعيد في يونيو/ حزيران 2025 والضربة الإسرائيلية في سبتمبر/ أيلول 2025 الدوحة التي استهدفت مفاوضي حركة حماس في أثناء جهود الوساطة الجارية. وقد أثارت مثل هذه الأحداث تساؤلاتٍ حقيقيةً حول مدى اعتبار المخاوف الأمنية الخليجية في الحسابات الاستراتيجية للشركاء الدوليين. فعلى مدى عقود، افترض صنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب أنّ الدول العربية ستتحمّل تبعات العمليات العسكرية في المنطقة، ويثبت الصراع أخيراً المخاطر الكامنة في هذا الافتراض.
الاستراتيجية الأكثر استدامةً هي تلك التي تضع منطقة الخليج العربي، بمجتمعاتها واقتصاداتها وروابطها التاريخية، في قلب التعاون المتكامل
كما تقدّم الوضعية الاستراتيجية المتغيّرة في أوروبا مقارناتٍ مفيدةً، فلطالما اتبعت الحكومات الأوروبية توجّهات متوافقة إلى حدّ كبير مع تفضيلات واشنطن. إلا أنّه مع تحوّل المتغيّرات السياسية داخل الولايات المتحدة نحو مواقف أكثر انفرادية وصرامة، أعادت عدة دول أوروبية تقييم هذا النهج تدريجياً. وبينما لا تزال هذه الدول ملتزمةً بالتعاون عبر الأطلسي، أصبحت الحكومات الأوروبية أكثر استعداداً للتعبير عن مواقف مستقلّة عندما تكون مصالحها على المحكّ. ويعكس تردّدها في المشاركة في الحرب ضدّ إيران غياب التشاور المسبق، والمخاوف المتعلّقة بالشرعية القانونية والسياسية، والتصوّرات السياسية عند التحالف مع نظام متّهم بالإبادة الجماعية ورئيس وزراء مطلوب في لاهاي بتهم جرائم حرب.
هناك درس أساس يُستخلص من هذه التجربة، وهو أنّ التدخّل الإسرائيلي المتزايد في الترتيبات الأمنية الإقليمية، من خلال أطر مثل اتفاقات أبراهام وإدماجها في هيكل القيادة المركزية الأميركية، يقتضي إعادة النظر في ذلك. فقد رُوّجت اتفاقات أبراهام على أنّها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال التعاون الاقتصادي، والتبادل التكنولوجي، وبناء بنية أمنية إقليمية جديدة. ومع ذلك، قد أدّى إشراك إسرائيل في الترتيبات الأمنية الخليجية، إلى نقل أحد أكثر الصراعات المستمرّة في العالم مباشرةً إلى البيئة الاستراتيجية الخليجية، وأما في ما يخص جارتها الكبيرة، فقد صبّ ذلك الزيت على النار. وأما في ما يخص الدول التي يعتمد ازدهارها بشكل كبير على الاستقرار، فإنّ انخراطها في مثل هذه التحالفات المثيرة للجدل قد يزيد من تعرّضها للاشتباكات الإقليمية بدلاً من تقليل ذلك.
الأهمية الاستراتيجية للوحدة الخليجية
بشكل فردي، تمتلك الدول الصغيرة نفوذاً محدوداً عند التفاوض مع القوى الكُبرى التي تتعامل بشكل متزايد مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات. وعليه، يمكن للتعاون المؤسسي أن يعزّز بشكل كبير القوة التفاوضية. وتُظهر المؤسّسات الأوروبية مثل حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي كيف يمكن للأطر الجماعية أن تعزّز المواقف التفاوضية؛ فمن خلال العمل عبر هذه المؤسّسات، تمكّنت الدول الأوروبية من مقاومة الضغوط الثنائية من حلفائها الأقوى والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. ويعكس رفضها الجماعي المشاركة في حرب لا تتماشى مع أولوياتها قيمة الدبلوماسية المنسقة.
ويواجه مجلس التعاون الخليجي تحدّياً مشابهاً، فعندما يعمل المجلس بوصفه مجموعةً من الدول المنفردة، يمكن للجهات الخارجية التفاوض بشكل منفصل مع كلّ حكومة، والاستفادة من حالة عدم الثقة القائمة وخلق تبعيات غير متكافئة. ومن شأن تبنّي نهج خليجي أكثر تنسيقاً في مجالات السياسات الأمنية والدبلوماسية واستراتيجيات الطاقة أن يعزّز بشكل كبير قدرة المنطقة على حماية مصالحها.
كما تؤكّد الأزمة الراهنة الحاجة الماسّة إلى هذا التنسيق، فقد شنّت إسرائيل والولايات المتحدة هجومهما على الرغم من علمهما بأنّ الردّ المحتمل قد يضع دول الخليج، التي تستضيف المنشآت العسكرية الأميركية، ضمن نطاق الضربات الإيرانية. وكانت النتائج فورية: تبادلات صاروخية عبر المجال الجوي الخليجي، وتهديدات للبنية التحتية للطاقة، وتعطيل طرق الشحن البحري. ويثير هذا سؤالاً استراتيجياً مهمّاً: هل أسهم التطبيع في تقليل تعرّض الخليج للصراعات الإقليمية، أم أنّه قرّب المنطقة من خطوط المواجهة؟
وتبقى هذه المسألة حسّاسةً سياسياً وسبباً للانقسام؛ لذا، فإنّها تتطلّب إعادة تقييم جماعية بدلاً من اتباع أساليب وطنية مجزّأة. فإذا قيّمت دول الخليج التطبيع بشكل منفرد، فعندها ستستمرّ الأطراف الخارجية في تشكيل البيئة الاستراتيجية للمنطقة وفقاً لأولوياتها الخاصّة.
وقد عكست اتفاقات أبراهام في نهاية المطاف رؤية معيّنة للنظام الإقليمي، وهي رؤية صُممت إلى حدّ كبير في واشنطن وتل أبيب. وتعتمد هذه الرؤية على التعاون الأمني بين منطقة الشرق الأوسط مع إسرائيل وتعزيز التكامل الاقتصادي الذي يلبّي الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة. ورغم أنّ هذه الرؤية تَعِدُ بالاستقرار والازدهار، تكشف الأحداث أخيراً أوجه قصورها.
تبنّي نهج خليجي أكثر تنسيقاً في مجالات السياسات الأمنية والدبلوماسية واستراتيجيات الطاقة يعزّز قدرة المنطقة على حماية مصالحها
إعادة تصوّر التكامل الإقليمي
وبناء على ما سبق، فإنّ إعادة تقييم الترتيبات الأمنية يجب أن يتضمّن إعادة النظر في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. فالاستراتيجية الأكثر استدامة هي تلك التي تضع المنطقة نفسها، بمجتمعاتها واقتصاداتها وروابطها التاريخية، في قلب التعاون المتكامل. ويتطلّب ذلك التركيز على المناطق الداخلية في الخليج والأسواق العالمية أيضاً.
إنّ تعزيز الممرّات الاقتصادية التي تربط شبه الجزيرة العربية بالمناطق المجاورة، من اليمن على امتداد بحر العرب مروراً بالعراق وصولاً إلى الأردن وسورية والبحر المتوسّط، يمكن أن يثمر نموذجاً مختلفاً للترابط الإقليمي. ويمكن لشبكات السكك الحديدية، والطرق السريعة، وخطوط أنابيب الطاقة، أن تحوّل هذه المسارات إلى ممرّات للتجارة والازدهار، وتربط اقتصادات الخليج بأسواق المشرق العربي والبحر المتوسّط. ومن شأن هذا النهج أن ينوّع البنى التحتية، ويرسّخ استقرار الخليج وأمنه، ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضاً في مجالات الغذاء والعمالة والاقتصاد، وذلك في إطار الاعتماد الاقتصادي الإقليمي المتبادل بدلاً من الارتباط بترتيبات أمنية خارجية. ومن خلال الاستثمار في تعزيز العلاقات مع المناطق المجاورة، يمكن لدول الخليج أن تساهم في التنمية الاقتصادية في المناطق التي عانت طويلاً عدم الاستقرار وتقليل تعرّضها لتنافس القوى الكُبرى وتعزيز أمنها الغذائي وتوفير العمالة اللازمة وغير ذلك من أشكال الأمن. وقد يرى بعضهم أنّ ذلك مكلف، لكن بعد إدراك التكلفة الحقيقية لغياب الأمن، تغيّرت وجهات النظر.
خاتمة: دقت ساعة التغيير
لقد أظهر الخليج مراراً قدرته على الصمود في مواجهة الاضطرابات الإقليمية. غير أن الأزمة الحالية توضح أنّ الاستقرار طويل الأمد لا يمكن أن يعتمد على الضمانات الخارجية اللانهائية أو الأطر الإقليمية المصمَّمة خارجياً.
وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية إقليمية جديدة، تتمحور حول أولويات المنطقة نفسها ومصالحها. وفي ما يخص دول الخليج، يعني ذلك تعزيز الدبلوماسية الجماعية، وإعادة تقييم الترتيبات الأمنية الحالية، والاستثمار في الترابط الاقتصادي الذي يربط شبه الجزيرة العربية بشكل أوثق بمحيطها الإقليمي.
وعلى مدى قرون، شكّل الخليج ملتقى للتجارة، والثقافة، والجغرافيا السياسية. ويتمثّل التحدّي الاستراتيجي اليوم في ضمان بقائه مركزاً للترابط بدلاً من تحوّله إلى خطّ مواجهة دائم.
المصدر: العربي الجديد






