
من أكثر دروس الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أهميةً ذلك المرتبط بعلاقات واشنطن مع دول الخليج العربي، لجهة تداعيات تعرّض هذه الدول لاعتداءات إيرانية بذريعة أنّ الولايات المتحدة استخدمت قواعدها العسكرية في عدد من هذه الدول للهجمات على إيران. وسواء صحّ الاتهام الإيراني أم لم يصحّ، دفعت بلدان الخليج ثمناً مرتفعاً، وتضرّرت مصالحها ومرافقها الحيوية من جرّاء حرب ليست حربها، ولا مصلحةً لها فيها. وفي مقابل هذا، لم تلتزم أميركا بالاتفاقات الدفاعية المشتركة، وبالتالي انعكست الآية كلّياً، فبدلاً من أن تحظى بلدان الخليج بحماية أميركا القوية، تعرّضت للعدوان الإيراني، وهذا أمر لم يكن في حسبان أحد.
تبيّن أنّ المعاهدات بين الولايات المتحدة ودول الخليج لا ترقى إلى مستوى الأحلاف التي تُرتّب على الطرفَين التزامات، كما هو الحال في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو). وكشفت الحرب حقيقةَ أنّ الاتفاقات الدفاعية بين واشنطن ودول الخليج هشّةٌ، ولم تكن ذات مفعول كبير، ما يعني أنّ أميركا هي الطرف المستفيد من العلاقة، يأخذ ولا يعطي. ولا جديد في هذا، فتتصرّف واشنطن على هذا الأساس مع دول أقرب إليها سياسياً وعسكرياً وثقافياً، وتربطها بها علاقات تاريخية وأحلاف ذات أهداف استراتيجية وكونية، وخاضت معها حربَين عالميَّتَين كبيرتَين. وهذا حال دول أوروبا الغربية، التي لم تعد تثق بالإدارة الأميركية الحالية، وفضّلت مصالحها على مساندة الولايات المتحدة في حربها ضدّ إيران، وكان درس غرينلاند مهمّاً جدّاً لأوروبا، إذ تبيّن أنّها قادرة على تغيير حسابات واشنطن عندما تعمل بتنسيق تام، وتجعل تكاليف التصعيد واضحةً لا لبس فيها. وقد ساعدت هذه التجربة العملية الحكومات الأوروبية على الصمود على موقف رفض الانخراط في الحرب ضدّ إيران.
يدرك الأوروبيون أن المرحلة الأصعب مع ترامب تنتظرهم. ولذلك يعملون على تخفيف حدّة التوتّر معه في محاولة للعودة إلى الوضع المعتاد؛ في وقتٍ يحاولون فيه الثبات على موقف بأنّ نتيجة الحرب مع إيران ليست من مسؤوليتهم. وفي الأحوال كافّة، تآكل الاحترام، وصار يصعب استعادته. وفي مرحلة ما، سيُتفاوض على اتفاق من أجل حلفٍ أطلسيٍّ جديد، لن يشبه الاتفاق الذي عرفه الأوروبيون. ومع تراجع الحرس القديم من دعاة التحالف عبر الأطلسي، سيكون التحالف الجديد قائماً على المصالح أكثر منه عاطفياً، وهو ما يمكن أن تقتدي به دول مجلس التعاون الخليجي، التي عليها مراجعة مواقفها وحساباتها، فأميركا لن تصادق أحداً أو تقيم علاقة تكافؤ أو حلف متين مع أحد، لأنّ ذلك كلّه غير موجود في قاموسها، باستثناء ما يخصّ إسرائيل.
لا يُمكن لدول مجلس التعاون أن تقف مكتوفةَ الأيدي، فالحرب ستُحدّد أمنها واقتصادها وعلاقتها بالولايات المتحدة، سواء تجدّدت أم لا. فإذا حافظت على وحدتها، واستخدمت نفوذها، وتصرّفت وفقاً لشروطها الخاصّة، يُمكنها توجيه مسار العلاقات، مع الحفاظ على مصداقيتها لدى الشركاء الدوليين من أوروبيين وغير أوروبيين. أمّا إذا تهاونت أو رضخت أو انقسمت، فلن تُعزّز فقط الفهم الخاطئ في واشنطن، بل ستُقوّض أيضاً مصداقيتها في الساحة الدولية، وتُضعف الإجماع الداخلي الذي يدعم جهود مراجعة العلاقات الأميركية الخليجية.
لقد سارت العلاقات بين الخليج وترامب في ولايتَيه على ما يمكن تسميتها “الواقعية التكتيكية”، وهو ما جرى تفسيره في واشنطن قبولاً خليجيّاً بكلّ ما يصدر عن الإدارة الأميركية. وما يمكن استخلاصه من الحرب على إيران أنّه ينبغي للخليج الآن التحرّك لضمان ألا يأخذ الوضع الراهن طابعَ الديمومة.
المصدر: العربي الجديد






