“الانتقالي الجنوبي”… أزمات وإخفاقات ذاتية

  بشرى المقطري

 

بعد أكثر من ثلاثة أشهر من هزيمته العسكرية في حضرموت، والتي شكلت منعطفاً في مسار المجلس (اليمني) الانتقالي الجنوبي المنحل، بحيث يستوجب هذا إعادة تقييم تجربته السياسية وإصلاح أخطائه، إلا أنه لا يزال يتموضع سياسياً عند معادلة التصعيد لفرض اشتراطاته على خصومه، وتأكيد احتكار تمثيله القضية الجنوبية، وهو ما يكشف عن حالة من التصلب والعجز الذاتي عن تغيير أدواته، وكذلك استيعاب طبيعة المرحلة وتحولات أدوار الفاعلين في اليمن.

إلى حد كبير، تكشف مثالب التأسيس، من حيث الظروف والأهداف، وكذلك طبيعة بنية المجلس الانتقالي بأجهزته السياسية والعسكرية، إلى مفاعيل احتكار مشروعية تمثيل الجنوب عن التحدّيات الجوهرية التي يواجهها في هذه المرحلة الحالية، والتي تقيد فرص إعادة هيكلة نفسه تنظيمياً، وكذلك تغيير أدواته، بما في ذلك إعاقة تحوّله إلى مكوّن مدني، يتزعم المعارضة في جنوب اليمن، ناهيك عن توليد تحالفات سياسية داعمة له، إذ إن نشأة “الانتقالي” بوصفه إطاراً سياسيّاً فوقيّاً اصطنع صناعة في واقع صراعي بهدف الوصول إلى السلطة، ربط شرط وجوده السياسي ونشاطه الجماهيري في ذات الغاية، بما يتضمنه هذا من استخدام القوة للوصول إلى السلطة إلى احتكار تمثيل القضية الجنوبية، بحيث عكس نفسه على أدوات “الانتقالي”، وتعاطيه مع محيطيه السياسي والاجتماعي، إذ إنه ومع خروجه من سلطة المجلس الرئاسي، عملياً، لا يزال يستخدم أدوات السلطة لفرض نفسه في المشهد السياسي، بدءاً بقمع مناوئيه إلى استغلال جيوبه العسكرية والأمنية لتصعيد التوترات الأمنية وتقويض فرص تطبيع الحياة. ومن جهة أخرى، فإن التركيبة السياسية القسرية القائمة على بعد مناطقي وإن مثّلت عاملاً مهماً لتوليد كيان جهوي مرحلي، إلا أنها تفشل في تجاوز اعاقاتها، ناهيك عن الخروج من اصطفافاته المناطقية، وهو ما كشفته تجربة “الانتقالي” ما بعد حضرموت، ففي حين أفضى تصدر الضالع- يافع لمعركة حضرموت، إلى تكريس دورات الصراعات الماضوية، فقد ولد ذلك تصدعات في كيان الانتقالي نفسه تمثل بتصاعد توترات مناطقية جرّاء تركز كلفة الحرب بشقّها العسكري والسياسي والبشري على مدينة الضالع وأريافها، مقابل تمكّن نخبة يافع من إعادة تدوير نفسها في مفاصل سلطة المجلس الرئاسي. كما أن عقدة التمثيل السياسي القائمة على مركزية مدينة الضالع في سلطة المجلس الانتقالي أعاقت فرص تجديد نفسه واستيعاب أطياف جنوب اليمن، إذ إن سياسة التحديث والهيكلة التي أعلن عنها “الانتقالي” أخيراً، والتي تضمنت تصعيد قيادات جديدة في المستويات السياسية العليا أفضت إلى هيمنة الضالع على التمثيل، مقابل تمثيل منخفض توزّع ما بين حضرموت ومدينة أبين، وتغييب بقية المحافظات الجنوبية، وهو ما يكشف عن عجز المجلس عن هيكلة أطره السياسية بعيدا عن دائرة عصبته المناطقية. ومن جهة أخرى، فإن افتقار الانتقالي لبعد مؤسسي وتنظيمي يضمن شراكة المستويات القاعدية، ترتب عليه فقدانه لقنوات الاتصال بأنصاره ناهيك عن توسيع قاعدته الشعبية خارج دائرة عصبته التقليدية. إضافة إلى ذلك فقد أفضت هذه الاختلالات البنيوية إلى تصدع الانتقالي، بحيث أفرز ذلك قيادة في الداخل وقيادة في الخارج، أي مستويين من القيادة تتنازع على الزعامة وعلى القرار السياسي.

بيئة مثالية للانتقالي لاستثمارها وتأكيد حضوره السياسي فاعلاً مؤثراً في المشهد الجنوبي

في السياق، أي من حيث تشوّهات البناء السياسي وإعاقاته التنظيمية، فإن السلطة الهرمية العمودية المتمركزة حول شخصية الزعيم المؤسّس، أي عيدروس الزبيدي، ترتبت عليها نتائج كارثية من ربط مصير “الانتقالي” سياسياً ونشاطه المجتمعي بمصير مؤسّسه إلى تعطيل ممكنات توليد تحالفات سياسية داعمه له، جرّاء تمركز المجلس حول شخصية الزعيم بما هو مصدر القرار والأهم المنتج والمعضد لتنمية العلاقات الاجتماعية والسياسية المساندة له، إذ مع تصعيد وفد سياسي بزعامة عمرو سالم البيض، ومنحه سلطة الرئيس من حيث الحضور الإعلامي، فإن هذا الانتقال على مستوى الواجهة لم يترتب عليه تجديد الخطاب السياسي لانتقالي، الذي ظلّ يستمد أطروحاته وتوجهاته من خلال إرشادات الزعيم المؤسّس، ناهيك عن منح الوفد السياسي مشروعية لقيادة “الانتقالي” في هذه المرحلة، أي ما بعد عيدروس، بحيث ظلت قواعد المجلس ونشاطاتها الميدانية تتركز في مطالب إعادة الزبيدي إلى مدينة عدن.

من جهة أخرى، ترتّب على التصدع البنيوي في المجلس الانتقالي تناقضه سياسيا، سواء من حيث الأدوات أو المطالب، وتمظهر هذا في الانقسام ما بين قبول المشاركة في مؤتمر جنوبي- جنوبي برعاية سعودية، أي بما هو فاعل جنوبي بمعية الفاعلين الآخرين، وما بين تفضيل المواجهة والتصعيد الميداني لاستمرار احتكار واحدية تمثيل الجنوب. كما أن مفاعيل العلاقة التأسيسية ما بين المكون السياسي والأذرع العسكرية والأمنية جعلت من القوة العسكرية العامل الحاسم لضمان استمرار حضوره السياسي، الأمر الذي أعاق إمكانية تحوّله إلى مكوّن مدني. كما أن استمرار اعتماد المجلس على حليفه الإماراتي أدّى إلى رهنه بأهدافه في جنوب اليمن، بما في ذلك تحوّلات علاقته مع السعودية، ما بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران، والتي بالطبع ستنعكس تداعياتها على الساحة اليمنية، إلى جانب فقدان المجلس دعماً اقتصاديّاً من حليفه، خصوصاً بعد فقدانه موارد اقتصادية بعد تغير معادلة السلطة في المناطق المحرّرة، ما يؤثر على موارده وكسب أنصار جدد.

يضاف إلى ذلك أن تجربة الانتقالي في السلطة سواء من حيث فساده المالي أو إدارة الدولة وكذلك تعاطيه مع محيطه المجتمعي وتحديدا حالة القمع والإرهاب التي طاولت المواطنين في عهده، بما في ذلك علاقته بحلفائه وخصومه، ألقت بثقلها عليه سياسيا واجتماعيا، بحيث تعيق إمكانية توسيع تحالفاته السياسية، ناهيك عن تحوله إلى مكون مدني سياسي جامع يمثل الجنوبيين.

تظل القضية الجنوبية قميص عثمان الذي يتيح للمجلس الانتقالي كما غيره من القوى الجنوبية استثمارها لتعزيز مكاسبه

ربما تكمن عوامل القوة بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي في الوقت الحالي، بإفرازات الواقع اليمني، المتمثل بحدة الاستقطابات السياسية والاجتماعية، وكذلك الأزمة الاقتصادية وحالة الانفلات الأمني، بحيث تشكل تلك العوامل بيئة مثالية للانتقالي لاستثمارها وتأكيد حضوره السياسي فاعلاً مؤثراً في المشهد الجنوبي، والتي تتمحور في استراتيجية التصعيد القائمة على الضغط، وكذلك إرباك خصومه السياسيين من سلطة المجلس الرئاسي إلى حليفها السعودي، وفي هذه الاستراتيجية، تتركز مفاعيل التأثير على حاضنته المؤثرة في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لسلطة المجلس الرئاسي، بحيث تتيح للانتقالي فرص تحسين شروطه السياسية خاصة بعد تغيير المعادلة العسكرية والأمنية في جنوب اليمن، وذلك من خلال الاعتماد على ورقة الشارع، أي تحريك أنصاره أداةً في معادلة الضغط والتي تتضمن رفع مستويات التهديدات الأمنية وكذلك إعاقة فرص تطبيع الحياة اليومية. كما أنه وبالتماس مع مركزية عدن بالنسبة للانتقالي، تمثل حضرموت عصب استراتيجيته في إدارة معادلة الضغط، فعلى الرغم من انحصار شعبيته في نطاقات جغرافية ضيقة، فإنه يعول عليها بوصفها أداة لإرباك الترتيبات الأمنية والسياسية التي وضعتها السعودية لإدارة حضرموت، الى جانب توظيفها عاملَ إسناد يتيح له تحسين مركزه في حضرموت والتأثير على مستقبلها السياسي، ومن جهة أخرى، وفي سياق الترتيبات السياسية بالنسبة لانتقالي في هذه المرحلة، إذ إنه ورغم خروجه رسمياً من سلطة المجلس الرئاسي، فإن حالة السيولة التي تميز النخبة الجنوبية عموما سواء من حيث طبيعة تحالفاتها أو مشروعها السياسي، توفر للانتقالي من خلال حضورها في سلطة المجلس الرئاسي تحقيق اختراق سياسي، والأهم بقاء مشروعه الانفصالي حاضراً في أجهزة السلطة وإن بشكل غير مباشر، عسكريا وأمنيا، فإن تشوهات إدارة السعودية لهيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية في معسكر حلفائها بدءاً بتدوير القيادات، إلى دمج ظاهري لأجهزة العسكرية مع بقاء قوامها البشري وتعدد ولاءاتها، يمنح الانتقالي وعبر المكونات العسكرية الجنوبية وقياداتها ثقلاً عسكرياً وازناً يدعم بقايا أذرعه العسكرية في المناطق الجنوبية. يضاف إلى هذا أن تذبذب الاستراتيجية السعودية في إدارة اليمن وعدم وضوح أهدافها، مقابل حرصها على تطبيع المشهد في جنوب اليمن، مع تجاهل اختلالات سلطة حليفها، يتيح للمجلس الانتقالي استثمار المطالب الخدمية للمواطنين رافعةً سياسيةً لتأكيد حضوره الجماهيري.

من معارك يومية لاسترداد مقراته المصادرة إلى تنصيب صور الزعيم الغائب في المناطق الجنوبية، تدور سردية “الانتقالي الجنوبي”، المنحل، في دورة متواصلة من التصعيد وبالطبع على حساب إرباك حياة المواطنين ومفاقمة معاناتهم. وفي حين تظل القضية الجنوبية قميص عثمان الذي يتيح للمجلس كما غيره من القوى الجنوبية استثمارها لتعزيز مكاسبه، فإن غياب آليات العمل السياسي المنظم بما في ذلك المدني، يجعل من الانتقالي قوة راديكالية معطلة تستمد شروط بقائها من واقع صراعي مستدام.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى