
بينما تموج المنطقة في أتون حرب إقليمية مستعرة، فإن المصريين غارقون في حرب من نوع آخر، حرب اجتماعية ذات أبعاد قانونية، تدور بين طرفي نقيض، أحدهما ملايين الآباء المقهورين بحكم الواقع والقانون، وملايين الأمهات المتمسكات بترسانة قوانين خيّل إليهن أنها صنعت لحمايتهن من الرجال، فيما يدفعن ثمناً باهظاً لتزمّتها وقسوتها ضد الرجال بطرق عدّة. أحد أهم القوانين وأكثرها جدلية في مصر التي تنظم المسائل المتعلقة بالأسرة المصرية، سواء قانون الرؤية أو قوانين الطلاق والخلع والإنفاق والمسائل التي تتعلق بالأحوال الشخصية بشكل عام، وهي قوانين تخضع لتعديلات كبيرة منذ التسعينيات، وشهدت تعديلات سيئة جدّاً في بداية الألفية، رغم أن ظاهرها دعم المرأة. وتضع هذه المقالة في هذا الخصوص عدة ملاحظات:
العدالة غائبة تماماً في نصوص هذه القوانين، فهي مغتربة كثيراً عن مجتمعنا، وكأنها تقوم على إطار وسياق بعيد تماماً عن المصريين، أو بالأحرى تقوم على مأسسة الصراع داخل الأسرة المصرية وإدارته واستدامته، وليس الحفاظ عليها وعلى استقرارها وتحويلها إلى حياةٍ منبعها المودّة والرحمة والإحسان، وغيرها من قيم متجذرة في الأديان السماوية جميعاً، وليس الإسلام وحده.
وضعت هذه التعديلات وكأنها تدعم المرأة في مواجهة الرجل، فماذا كانت النتيجة بعد أربع سنوات من تعديل قانون الرؤية. زادت حالات الطلاق بشدّة لتصل إلى أكثر من الضعف بين عامي 2005 و2009، بحسب تصريحات رئيس مركز معلومات مجلس الوزراء، أشرف تمام، نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. والاستنتاج الرئيس والمنطقي أن هذه القوانين زادت نسب الطلاق بشكل معتبر، فالسعي إلى تمكين المرأة كان على حساب الأسرة، إذ أصبحت ممكنة من مسكن الزوجية حتى بلوغ الأبناء سن 18 عاماً، وأصبحت مستفيداً مجّانياً من سلسلة نفقات وقوانين لا شرقية ولا غربية، وإنما خليطٌ بينهما، فلماذا لم تُراجع تلك القوانين التي زادت في مدّة حضانة الطفل لأمه، ونقلت الحضانة إلى الجدّة مباشرة بعد الأم، وليس للأب الذي جعلته في مرتبة متأخّرة جداً؟
العدالة غائبة تماماً في نصوص هذه القوانين، فهي مغتربة كثيراً عن مجتمعنا، وكأنها تقوم على إطار وسياق بعيد تماماً عن المصريين
وتتحدث التقارير عن ارتفاعات مطّردة في نسب الطلاق ومعدّلاته، سيسأل سائل: هل مشكلتنا في مصر في زيادة نسب الطلاق بحد ذاتها؟ والإجابة لا، فالتبعات الكارثية لقوانين الخلع التي تشكل 80% من حالات الطلاق أنها سبّبت مشاحناتٍ ومشكلات كبيرةً تطفو بعض مظاهرها على السطح بين حين وآخر، ونرى المكالمات بين المرأة والرجل وكأنها حرب مستعرة على الدوام، وهناك من يغذيها وتتحول إلى جرائم وجنايات.
يدور النقاش حول سن الحضانة، فبينما يدافع الرجال وفريق معتبر من النساء (أمهات هؤلاء الرجال) عن العودة في سن الحضانة إلى سبع سنوات للولد وتسع للبنت ويرفضون التخيير، وهو أمر تتفق عليه غالبية المذاهب الفقهية، ومعمول به في الغالبية العظمى من بلدان المنطقة العربية والعالم الإسلامي، تسعى منظّمات نسوية إلى فرض الزيادة في سن الحضانة من 15 عاماً إلى 18 عاماً للولد، وبعضهن يطالبن بأن تبقى حضانة البنت مع والدتها وجدّها لأمها حتى الزواج، وهي أمورٌ غير منطقية تماماً، إلا من منطلق الاحتفاظ بشقة الزوجية باعتبارها متروكة للمطلقة لرعاية الأولاد، كما أن هذا يفرض قيوداً شديدةً تعود بالسلب على المرأة نفسها.
يسوق كلا الفريقين حججاً قوية جداً، بعضهم يستشهد بحوادث اعتداءات شديدة الفجاجة من أقرباء الآباء على الأبناء الصغار بينما يستعرض آخرون حوادث اعتداءات من أقرباء الأم، والجميع خاسر من كل هذه السلاسل من الجرائم الفجة التي أصبحت شبه يومية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والصحف المصرية، حتى إن هناك من كتب تعليقاتٍ عليها يريد أن يعجّل بظهور يأجوج ومأجوج، ومساعدتهما لاستعجال القيامة، خلاصاً من هذا الواقع البائس.
إسقاط حضانة الأرمل والمطلق حال ارتباطه بالتأكيد سيزيد حالات الزواج العرفي، والتي زادت بالفعل
تتحايل مئات آلاف من الأمهات للاحتفاظ بحضانة الطفل أكبر وقت ممكن مع حقها في الزواج بآخر بعد الطلاق بأن تقوم بالزواج العرفي، وهناك ربما ملايين حالات الزواج العرفي، إما هرباً من تسليم المحضونين لآبائهم وإما بالاتفاق مع الآباء، للحصول على دعم برامج الحماية الاجتماعية، مثل “تكافل” و”كرامة” والاحتفاظ بمعاش المطلقات ومعاشات الأب والأم في ما يخص النساء المطلقات، وهذا مفهوم ومفسّر بمعدلات الفقر والبطالة والتضخم المرتفعة جداً التي تعانيها مصر. وتساوم ملايين النساء المطلقات أزواجهن السابقين بالرؤية ساعات لا تتجاوز الثلاث أسبوعياً مقابل النفقات المتعدّدة وزيادتها، والتي لا عقوبات رادعة لها، حال امتناعها عن تنفيذ قرارات الرؤية، التي تتم بشكل مهين في مراكز الشباب أو مناطق تابعة للشؤون الاجتماعية، كما لو كانت بين مسجون ومحاميه، وليس بين أب وأبنائه.
بينما يتحايل بعض الآباء وفي الحدود الدنيا بالامتناع عن الإنفاق وربطه بالرؤية أيضاً، وبعضهم عندما ييأس من الإجراءات القانونية التي قد تقوده إلى الحبس وفقاً للقانون يترك كل شيء ويهاجر، أو يهجر أبناءه وكأنه فقدهم إلى الأبد، وطلقهم مع أمهم. وفي مقابل التزاماتٍ قانونيةٍ صارمة للأب في القوانين الحالية، لا توجد أية التزامات على الأم المطلقة التي تتمتّع بمزايا فقط، وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بصفحاتٍ تحريضيةٍ بين الرجال والنساء بشكل ينفّر غالبية الشباب والفتيات من الزواج وينذر بكارثة اجتماعية حال تفاقمه.
تتمسّك الأمهات أيضاً بالولاية التعليمية، وتتحايل بعضهن فتختار أغلى مدارس وأفشلها وأسوأ ملابس وأغلاها من موضة مهترئة ويدلّلن الأبناء دلالاً زائداً، خرج لنا ملايين البلطجية والمدمنين خلال الأربعة عقود الأخيرة التي تزامنت مع “السيداو” (اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، ويردن مساواة في الولاية من غير مساواة في النفقة، بينما في القوانين الغربية مساواة حقيقية في الإنفاق والزيارات والولاية، ومن تتخد قرار نقل طفل إلى مدرسة أغلى تتحمّل فرق المصروفات، واعتاد مجتمعنا الترقيع، بحيث وصلنا إلى النموذج المشوّه الذي يخرج من يدافعون عن “أمّهات عزباوات قويات” ويردن خادمات، وأول المتضرّرين منه النساء، فأغلبهن يتركهن النظام الرأسمالي المشوّه معطلات عن العمل بنسب أكبر، والعاملات منهن يحصلن على أجورٍ أقل، ومن ثم خطاب نسوي متطرّف يحوّلهن إلى مطلقاتٍ ضعيفاتٍ بلا عمل ولا عائل لهن، فهل يعولهن المجلس القومي للمرأة أم نلقيهم عالة على الدولة التي تتهرّب من مسؤولياتها الرئيسية، ويدفع غالبية ضرائبها الرجال؟ أم نتركهن لمجتمع ثلاثة أرباعه تحت خط الفقر أو على حافَته، وغالبية كبار السن فيه يعانون أمراضاً مزمنة، ومعاشاتهم لا تكفي علاجهم، فمتى نوقف عجلة الصراع والجنون؟
صار ضرورياً مراجعة وضع الأسرة المصرية بعد 45 عاماً من توقيع مصر على “السيداو”، وعقود من تعديلات قوانين الأسرة
ما يفعله المصريون من تحايل لإقرار قوانين متحيّزة إلى أحد الطرفين، ثم التحايل عليها في الواقع لا يعزّز إلا التحوّل إلى الأنماط غير الرسمية من الزواج، والذي صرنا نرى ونسمع عدة أشكال له تطفو على السطح، وتثير الجدل أيضاً بين حين وآخر، فإسقاط حضانة الأرمل والمطلق حال ارتباطه بالتأكيد سيزيد حالات الزواج العرفي، والتي زادت بالفعل كثيراً لعدة أسباب، منها الفقر الذي يجبر النساء على التحايل للاحتفاظ بمعاشات تقاعد الوالدين، أو حتى الاستفادة من معاشات “تكافل” و”كرامة” وغيرهما. كما أن رفع سن الحضانة مع احتفاظ الأم وحدها به يحمّلها أعباء إضافية، ويجعلها غير مرغوب فيها للزواج مرّة أخرى، ولا يحقق مبدأ الشراكة ولا المساواة التي تطالب به النسويات أنفسهن، ولا يحقق التزاماً بأصل الشريعة التي يختار منها كل ما يناسبه.
صار ضرورياً مراجعة وضع الأسرة المصرية بعد 45 عاماً من توقيع مصر على “السيداو”، وعقود من تعديلات قوانين الأسرة، وأن يُسأل ما الذي أوصل مصر إلى وضع فيه زادت فيه نسبة المدمنين، وتزايدت نسب البلطجة والجريمة والعنف والتحرّش، وتفكك أسري ربما لا مثيل له في العالم العربي والإسلامي بأعلى معدّلات طلاق وتدني معدلات الزواج، وواحدة من أعلى معدلات تشرّد وأطفال شوارع في المنطقة، معدّلات عمالة الأطفال المرتفعة، لينفقوا على أمهاتهم وأسرهم، وأطفال ضعيفي الشخصية والثقة بالنفس والتعليم والتربية نتيجة غياب الآباء وغيرها من ظواهر اجتماعية تفوق مظاهرها وآثارها آثار الحرب.
على صانع القرار أن يرى كيف تسير المجتمعات الأكثر استقراراً في علاقاتها الأسرية في الشرق الآسيوي وبقية العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ونبحث عن قوانينها ونقتدي بها، إما على قاعدة الرجوع إلى الشريعة وروحها وقيمتها الأساسية العدل، وإما على قاعدة مساواة مطلقة في الالتزامات والحقوق، والتي لم تنتج مجتمعاً متماسكاً في الغرب، وتكاد تنهي مؤسّسة الزواج التقليدي، ويطالب بمراجعتها الخطاب النسوي الغربي المعاصر.
المصدر: العربي الجديد






