تفاوض للسّلام أم الاستسلام؟

عمر العمر

                                                                                    

دفع العجز عن الانتصار أطرافَ الاقتتال إلى وقف النار. فرضت الهزيمة إسكات فوهات القصف من دون توقيع هدنة. هناك فارقٌ بين وقف إطلاق النار والهدنة. الأول موافقةٌ على كبح الأعمال العدائية على نحو مؤقت، يجعلها عرضة للتآكل. الثانية التزام بشروط مكتوبةٍ يمهد للتفاوض برعاية وسطاء أو مراقبين. ما بين أميركا وإيران بيْن بيْن. لم تنته الحرب. انتقل الاقتتال من الجبهات إلى غرف المفاوضات. هذا ماراثون مفتوحٌ على الزمن والمساومات. لن يكون المضمار ممهداً سالكاً، بل ربما وعراً، كما في الحرب الإيرانية العراقية (الأطول في القرن الفائت) لم يحقق طرفٌ انتصاراً. تجرّعت الأطراف كأسَ السم المرّ. مبادرة الساعة الحادية عشرة الدبلوماسية ليست غير طوق نجاةٍ لباحثين عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ترامب ورّط الجمهوريين، بل أميركا بأسرها، في لجة الفشل. لا هو قادر على التوغل في الحرب، ولا هو قادرٌ على الانسحاب. نظام الملالي جعل إيران ركاماً على حطام. لم يخفق نتنياهو في دور يوشع بن نون التوراتي فحسب، بل يواجه حتماً عقاباً قاسياً يجرفه إلى مزبلة التاريخ. كابد الإسرائيليون كوابيس لم تخطر على البال.

***

على غير ما يباهي الرئيس الأميركي، ليس ثمّة ما يرجح بلوغه (انتصار شامل). رغم كل القصف والرجم على إيران لا يزال النظام صامداً، فقطع الرأس لم يُفضِ إلى موت الجسد. الحاضنة الشعبية لم تشقّ عباءة الولي الفقيه. الحرس الثوري واصل إطلاق الصواريخ والمسيّرات من ساحل الخليج إلى حوافّ البحر الميت وهضبة الجولان، كما يمارس غداة قبول وقف النار العدوان على موانئ الجوار ومطاراته. اليورانيوم المخصّب قصيٌ عن الكشف والتناول. الاستياء من ترامب يضرب نخب صنع القرار والجماهير وسط حلفاء أميركا. فوّهات الإعلام داخل الولايات المتحدة بدأت تصعّد هجومها على خطيئة التورّط في الحرب. موجة عالية من النقد تعرّي الحسابات الخاطئة في الاستدراج إليها ومراحل إدارتها. غطرسة ترامب تضافرت مع نرجسيّته المفرطة، ما دفعه إلى الاستسلام لإغراءات نتنياهو. الرجل لا يواجه السخط داخل أميركا فحسب، بل يحاصره الاستياء في الخارج. شبح فيتنام جرّده من الجرأة على دفع الجنود إلى تراب إيران.

***

بين غايات رئيس الوزراء الاسرائيلي بالإضافة إلى الهروب من معاركه الداخلية حلمه بإنجاز تاريخي. كثيراً ما تحدّث عن إسرائيل الكبرى. نتنياهو مثل غيره من الساسة في إسرائيل لم يستوعبوا سؤال كيسنجر رابين ما إذا كانت رغبة إسرائيل في حدود سيادة أم خطوط انتشار، فإسرائيل مشروع كيان توسّعي منذ البدء ليس لديه حدود معترف بها حتّى من ساسته. جميعهم مهجوسون بحلم يوشع بن نون بالاستيلاء على الأرض من البحر الكبير إلى الفرات. المفارقة في سيرة يوشع أن الرب (حسب الرواية التوراتية) أوقف الشمس استجابة له عن المغيب بدلاً عن وقفه هو القتال. من هنا نستوعب رفض نتنياهو الالتزام بوقف النار تجاوباً مع ترامب فواصل توحّشه على لبنان. هو لم يستوعب الدروس القديمة والطازجة، فاغتيال القادة لا يعني موت القضية والقوة لا تصنع السلام.

أبدى الشعب الإيراني استعداداً للنهوض دروعاً بشرية حول مؤسّسات البنى التحتية

***

من أبرز الحسابات الخاطئة رهان ترامب ونتنياهو على ثوران الإيرانيين ضد النظام تحت الحرب. لكن الشعب لم يخذل تلك التقديرات الخاطئة فحسب، بل أبدى استعداداً للنهوض دروعاً بشرية حول مؤسّسات البنى التحتية. ولم يكن هذا دفاعاً عن النظام، بل حماية لها تأميناً لوجوده داخل العصر. في زمن العدوان الخارجي، تلتئم عادةً الجبهة الداخلية ما استطاعت. اكتشف الإيرانيون جانباً مخبوءاً على القطاع الأوسع منهم، فكما لم تكن الاستخبارات الإسرائيلية تعلم لم يكن غالبية الإيرانيين يدركون حجم الترسانة العسكرية. في غمار الحرب، تكشّفت أسباب تفشّي الفقر والمعاناة وسط الطبقات الشعبية ونزوح الطبقة الوسطى وهجرة النخب إلى المنافي، فموارد الدولة مكرّسة لصالح الماكينة العسكرية على نحوٍ تجاوز التوقعات. قدر أجيال جديدة دفع فاتورة باهظة، كذلك بغية إزالة الأنقاض ونفض الغبار بغية استرداد ما دمّرت الحرب. ليس في حسابات النظام مواجهته حتماً انتفاضات شعبية تخرج من تحت الركام. إن لم تطالب الجماهير بالمساءلة والمحاسبة عن الكلفة المهدرة ستنادي بالتغيير لا محالة.

***

كل هذه العقد تفرض نفسها على طاولة التفاوض. كل طرف لن يعمل من أجل تفكيك الخلافات، بل سيعمَد إلى إضافة إشكالات مغايرة. ما من طرفٍ سيُقدم على تقديم تنازلات. عوضاً عن هذا، سيعمل من أجل انتزاع مكاسب. محاور التداول ساخنة بقدر ما هي شائكة. مصير كل القيادات رهينٌ بكيفية نهاية كل محور. في الترسانة الإيرانية أكثر من محور، الصواريخ متباينة المسافات متعدّدة الرؤوس، اليورانيوم المخصّب والمختبرات النووية. عبر المضيق، تمرّ مصالح الشرق والغرب، اصطدام الطموحات الإقليمية بنهم المصالح والهيمنة الدولية. لبنان وحزب الله جمرٌ على الطاولة. في أدمغة المفاوضين خلفيات متشابهة مصدرها الخوف من الجبهات الداخلية. ما من طرفٍ يريد الخروج من إسلام أباد مهزوماً إن لم يعد منتصراً. أمام ترامب ونتنياهو انتخابات مصيرية، كلاهما يريدان من إيران الاستسلام. طهران ترغب في تأمين تفوقها غير المشروع في المنطقة. أخطر ما في هذه الضغوط نخرها أطر التفاوض من الداخل على نحو يعرّض العملية السلمية للتآكل فالانهيار. …الحيّز الضيق بين السلام والاستسلام ملغوم بالتهاب الجبهات مجدّداً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى