النظام المصرفي السوري يدخل مساراً جديداً عبر تركيا.. تعافٍ أم إعادة هيكلة؟

طارق صبح

تفتح تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، بشأن إنشاء حساب مراسل مصرفي مع البنك المركزي التركي الباب أمام قراءة أوسع لمسار النظام المصرفي السوري، الذي يتجه نحو إعادة وصل قنواته المالية مع الخارج عبر تركيا، بعد سنوات من العزلة.

فالإعلان عن اقتراب إنشاء حساب مراسل مع البنك المركزي التركي، إلى جانب بحث مقايضة عملات، لا يعكس خطوة تقنية فقط، بل يشير إلى إعادة تشكيل آليات الدفع والتسوية، أكثر مما تعني تعافياً مصرفياً كاملاً، فضلاً عن أن هذا التطور لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع، إذ يشير إلى انتقال تدريجي من اقتصاد يعمل إلى حد كبير خارج النظام المصرفي، إلى اقتصاد يحاول إعادة بناء بنية المدفوعات والتعاملات المصرفية.

ووفق تصريحات الحصرية لوكالة “رويترز”، فإن الحكومة السورية باتت في المراحل النهائية لإنشاء حساب مراسل مصرفي مع البنك المركزي التركي، في خطوة تهدف إلى تسهيل المدفوعات عبر الحدود ودعم التجارة الثنائية، بالإضافة إلى مناقشة إمكانية إبرام اتفاق مقايضة عملات لتعزيز الاستقرار المالي وتوسيع حجم التبادل التجاري.

وأوضح حاكم المصرف المركزي أن التعاون المالي بين سوريا وتركيا “يتسارع ويتخذ طابعاً مؤسساتياً متزايداً”، لافتاً إلى أنه قد يتوسع ليشمل “أنظمة دفع متكاملة، وتسويات مالية عبر الحدود، وأطراً أكثر تنظيماً لتمويل التجارة”.

وفي الوقت نفسه، كشفت “رويترز” أنه من المتوقع قريباً أن تبدأ بنوك تركية، بينها “زراعات” و”أكتيف”، عملها داخل السوق السورية في المستقبل القريب.

تسارع اقتصادي – سياسي متزامن

ويتقاطع تطور العلاقات المصرفية بين البلدين مع مسار سياسي أوسع، حيث عُقد، الثلاثاء الماضي، اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة بين تركيا وسوريا في إسطنبول، الذي أعلن فيه وزير التجارة التركي، عمر بولات، عن خطة لرفع حجم التجارة الثنائية من نحو 3.7 مليارات دولار إلى 10 مليارات دولار على المدى المتوسط، وفق بيان رسمي لوزارة التجارة التركية.

كما تشير بيانات نقلتها “رويترز” إلى أن الصادرات التركية إلى سوريا ارتفعت بنسبة 60 %، لتصل إلى 3.5 مليارات دولار بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، الأمر الذي يعكس تسارعاً في الترابط الاقتصادي.

ويفرض هذا النمو التجاري بالضرورة بنية مصرفية مرافقة، إذ يصعب استمرار هذا الحجم من التبادل عبر أدوات بدائية مثل النقد أو الحوالات غير الرسمية.

عقدة المدفوعات: المشكلة الحقيقية

على الرغم من ارتفاع حجم التبادل التجاري بين سوريا وتركيا، بقيت آلية الدفع هي العائق الأكبر، حيث يعتمد جزء كبير من التجارة الحالية على الدفع النقدي أو مكاتب الحوالات التقليدية، في ظل غياب نظام مصرفي عابر للحدود.

وهنا تبرز أهمية “الحسابات المراسلة”، التي تتيح للمصارف إجراء تسويات مالية دولية وتمويل التجارة، مثل الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان.

يؤكد ذلك ما قاله حاكم المركزي السوري بأن التعاون يتجه نحو “أنظمة دفع متكاملة، وتسويات عبر الحدود، وأطر أكثر تنظيماً لتمويل التجارة”، ما يعني أن المشكلة لم تكن فقط في نقص السيولة، بل في انقطاع القنوات، وهو ما يجري العمل على إصلاحه حالياً.

وإلى جانب الحسابات المراسلة، كشف حاكم مصرف سوريا المركزي أن بنوكاً تركية، بينها “زراعات” و”أكتيف”، تستعد لبدء العمل في سوريا “خلال فترة قريبة”.

وتمثل هذا الخطوة، إن تحققت، تحولاً نوعياً في بنية القطاع المصرفي، إذا تعني إدخال فاعلين مصرفيين خارجيين إلى السوق السورية، ونقل معايير تشغيل وامتثال جديدة، وتوسيع أدوات التمويل والخدمات المصرفية، فضلاً عن أنها تفتح الباب أمام ربط تدريجي مع النظام المالي الإقليمي، بعد سنوات من الانقطاع شبه الكامل.

تعافٍ مصرفي أم إعادة هيكلة؟

وتشير التطورات الأخيرة في مسار التعاون المصرفي بين سوريا وتركيا إلى أن ما يجري يتركز بشكل أساسي على استعادة القنوات التشغيلية للنظام المالي، أكثر من كونه تعافياً مصرفياً بالمعنى الكامل.

وتعكس التصريحات الرسمية للجانبين أن الجهود الحالية تنصب على إنشاء حسابات مراسلة، وتطوير أنظمة الدفع والتسويات عبر الحدود، وإعادة تفعيل أدوات تمويل التجارة، وهي عناصر ترتبط بالبنية التحتية للقطاع أكثر من ارتباطها بوظائفه الائتمانية والاستثمارية.

وفي مقابل ذلك، يرتبط التعافي المصرفي عادة بمؤشرات أوسع، تشمل استقرار العملة، واستعادة الثقة بالقطاع، وتحسن جودة الأصول والحوكمة، إضافة إلى عودة الإقراض والاستثمار إلى مستويات فعالة.

وفي هذا السياق، تشير تقييمات صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن القطاع المالي في سوريا ما يزال في مرحلة إعادة بناء القدرات المؤسسية، ما يعني أن المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة هيكلة وظيفية تهدف إلى تهيئة البيئة المصرفية، تمهيداً لمرحلة تعافٍ أوسع لاحقاً.

إصلاحات موازية لإعادة الثقة

بالتوازي مع الانفتاح المصرفي على تركيا، تتحرك سوريا على مسار أوسع لإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، حيث أعلن صندوق النقد الدولي، في شباط الماضي، أنه أجرى مشاورات مع السلطات السورية حول الإصلاحات الاقتصادية وبناء القدرات المؤسسية.

كما وافق البنك الدولي، في آذار الماضي، على منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم إدارة المالية العامة وتعزيز الشفافية والكفاءة.

وتعكس هذه الخطوات إدراكاً بأن إعادة الاندماج المالي لا تعتمد فقط على فتح القنوات، بل أيضاً على تحسين الحوكمة والامتثال، وهي شروط أساسية لعودة البنوك الدولية.

تركيا كـ”بوابة مالية”

يتجه مسار التعاون المالي بين سوريا وتركيا إلى ما هو أبعد من الشراكة التجارية، ليأخذ شكل منصة عبور لإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالخارج، فالتنسيق القائم يشمل المصارف المركزية والهيئات الرقابية والبنوك التجارية، إضافة إلى العمل على تطوير أنظمة الدفع والتسويات، ما يشير إلى أن إعادة تشغيل القطاع قد تبدأ عبر قناة واحدة شبه مركزية.

ويعكس هذا المسار محاولة بناء مدخل عملي للاندماج المالي، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات تتعلق بمستوى الاعتماد على تركيا، وحدود تنوع الشركاء الماليين مستقبلاً، وقدرة سوريا على توسيع شبكة علاقاتها المصرفية خارج هذا الإطار، واستعادة دور المصارف في تمويل التجارة عبر أدوات أكثر تنظيماً.

وفي المحصلة، يشير هذا المسار إلى أن النظام المصرفي السوري يتجه نحو نموذج يقوم على الاندماج التدريجي في النظام المالي الإقليمي، مع تركيز أولي على إعادة بناء البنية التحتية للقطاع قبل التوسّع في وظائفه الائتمانية.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى