
حملت المظاهرات التضامنية مع شعب فلسطين والتي عمت أرجاء سورية دلالات ومعان كثيرة وكبيرة. بعضها بديهي وثابت ومعروف وبعضها متحول نتج عن التغيير الذي حصل بإسقاط نظام القهر والتبعية الأسدي.
أولا:
أعادت تأكيد الحقيقية التاريخية الثابتة: وهي أن فلسطين ليست إلا جنوب سورية. وفلسطين ليست إلا قلب وضمير الشعب السوري. وهذا يجعل أمن سورية من أمن فلسطين. ومصيرها مرتبط بمآلات قضيتها وتحريرها. كما أن تحرير فلسطين لا يخرج عن إحساس الشعب السوري بواجبه الوطني أولا ثم القومي. ثم استعداده لتحمل مسؤولياته في تلك المهمة التاريخية الحيوية التي يتوقف مستقبل سورية عليها. وحينما يهتف الشعب السوري لفلسطين فإنه يهتف لجزء أصيل منه ومن تاريخه ومستقبله؛ انتزعته قوى الهيمنة الغربية الاستعمارية في سياق حصارها على سورية واستهدافها لكونها تمثل قلب المنطقة وقلب الوطن العربي الكبير ومفتاح الأمن والاستقرار فيه..
ثانيا:
إن أمن فلسطين من أمن سورية والعكس أيضا صحيح. وحينما يعرب الشعب العربي السوري عن قلقه البالغ على مصير شعب فلسطين وأمنه وأسراه؛ فإنه يعبر بصورة تلقائية وإن تكن غير مباشرة؛ عن قلقه على مصيره هو ذاته وعلى مستقبله ذاته. يعبر عن قناعته التامة بأن سورية مستهدفة من ذات القوى الاستعمارية وقاعدتها الصهيونية التي اغتصبت أرض فلسطين العربية السورية وأقامت – إلى حين – كيان العدو المحتل..
ثالثا:
إن التآمر الغربي على سورية ليس جديدا ولكنه امتداد لكل تاريخ التدخل الأجنبي في سورية لتخريب تماسكها المجتمعي وإلغاء هويتها القومية العربية. وحينما يتظاهر شعب سورية نصرة لفلسطين فإنه يعبر عن قناعته بأن تأسيس الكيان الصهيوني كان اعتداء مباشرا على سورية الأرض والشعب والمصير الوطني..
وحينما طالبت سورية وألحت بالوحدة مع مصر درءا للخطر المحدق بها من حلف بغداد وأدواته فإنما كانت تريد الحماية العربية لأمنها المهدد ومصيرها المتأرجح.. تماما كما هو الحال في فلسطين ومعها..
هذا التهديد الذي بلغ ذروة فعله حينما نجح في فك الوحدة وإقامة نظام الانفصال الرجعي الذي عبر عن هويته مباشرة بالتخلي عن فلسطين وقضيتها. واستعان بالحماية الأجنبية حفاظا على وجوده ودوره..
رابعا:
كشفت التظاهرات زيف ادعاءات النظام الاسدي الساقط وكذب شعاراته رغم استغلاله لقضية فلسطين ستارا لتمرير كل جرائمه وممارساته القهرية لقمع الشعب السوري ومنعه من التعبير عن تمسكه بهويته القومية وحرصه على مسؤولياته تجاهها وأولها التضامن مع فلسطين. لهذا كان النظام الساقط يمنع أية تعبيرات شعبية عن وحدة المصير السوري – الفلسطيني. وأية تعبيرات عن ولاء شعب سورية لفلسطين وقضيتها. ويتمادى بالإساءة للقضية بتوظيف بعض أتباع أجهزته الأمنية ليكونوا واجهته في المتاجرة بفلسطين وابتزاز أصحابها ومحاصرتهم…
خامسا:
مثل هذه المظاهرات لم تكن لتحدث في عهد النظام المخلوع بسبب ما تمارسه أجهزته الأمنية من قمع وتنكيل. وعلى الرغم من نجاحه في تسويق نفسه وكأنه منقذ سورية والمدافع عن فلسطين وحامي مقاومة العدوان الصهيوني؛ إلا أن مصادرة حق الشعب في التعبير عن مشاعره القومية والتضامن مع شعب فلسطين كان كاشفا لكذبه وادعاءاته. ليأتي مناخ الحرية السائد والذي أزال عقد الرعب والقمع فانطلق الشعب الحر يعبر بثقة وصدق عن وحدة مصيره مع فلسطين وتضامنه مع أهلها..
إن مناخ الحرية الذي يضمن للناس حق التعبير وحده الذي يسمح للقوة الشعبية أن تتبلور وتعبر عن ذاتها لتصبح قوة فاعلة مؤثرة. وهذا درس لكل من يريد مواجهة أية ضغوط أجنبية.. وحده الاستحواذ على ثقة الشعب وطمأنته يسمح له بذلك ويقيه المطبات والفخاخ والمؤامرات..
سادسا:
وفي مواجهة كل الدعوات والأصوات الناشزة التي ظهرت خلال أعوام الثورة السورية والتي أنكرت هوية سورية العربية أو التي توهمت بإمكانية السلام مع الكيان الغاصب المحتل؛ تأتي التظاهرات الشعبية لترجم هذه الأفكار وتضع حدا لها مؤكدة على عروبة سورية ورفضها لأية علاقات تطبيعيه مع الكيان الصهيوني. كما أن مواجهة هذا الكيان تبقى مهمة وطنية ثابتة مهما تبدلت موازين القوة أو فرضت وقائع تؤجل المواجهة إلى حين..
سابعا:
مجددا التأكيد على وحدة الشعب السوري من خلال رؤيته لوحدة مصيره مع فلسطين. إن كيانات انفصالية – تحت أية صيغة أو مسمى – سوف تكون تحت وصاية من يحمي الكيان الغاصب ويرعاه. فلن تكون إلا أداة له وبالتالي لن تكون إلا في خدمته وتحت رعايته لها. فتسقط فلسطين من حسابها وحسبانها وتتخذ منها ذريعة لتغطية خضوعها للصهاينة المعتدين..
ثامنا:
وعليه تكون الخلاصات التي ينبغي الالتزام بها من قبل كل السوريين شعبا وحكومة ومؤسسات رسمية وأهلية: أن مسؤولية سورية تجاه فلسطين ليست منة ولا منحة ولا هواية كما ليست مباهاة إنسانية أو سياسة اختيارية؛ وإنما هي واجب وطني سوري أولا وواجب عربي باعتبار وحدة مصير سورية – فلسطين ووحدة المصير العربي، فهي دفاع عن سورية وأمنها ومستقبلها ودورها قبل كل شيء.
لهذا وجب على الجميع أخذ هذه الحقائق – الثوابت بكل جدية وصدق وتقدير؛ بما يستدعيه من حشد أكبر قدر من القوة الشعبية وإبعاد كل أسباب القلق والفتن والتوتر والانقسام وتأمين مناخات الحرية؛ حرية التعبير وحرية المشاركة التي تثبت الوجود وتحمي الاتجاه السليم وتدعمه وتدرأ عنه المخاطر والمؤامرات والفتن وما أكثرها. وتزيح عن الطريق كل عوامل الضعف والتشرذم وكل عقول التحزب الضيق والتفكير الفئوي الأسير..
إن الشعب الواحد الموحد الشريك المشارك هو القوة الحقيقية الفعالة التي تصون البلاد والعباد وتفتح الطريق السليم للعدالة والتقدم والاستقرار.



