
للأسف الشديد، ليس من السهل عليَّ اليوم أن أقول أنا سوري حتى أشعر أن الجملة تكفي وحدها لتقديم تعريف حقيقي عني. هكذا تعريف يبدو لي، وللآخرين كما أخمّن، بمنزلة عنوان إداريّ ناقص تلزمه إضافة ما. إنه يحتاج إلى دين وطائفة أو إثنية، أو حتى إلى ذاكرة وسردية لألمٍ ما، أتشارك به مع آخرين يشبهونني، لكنهم ليسوا كباقي السوريين.
كثيرون طرحوا السؤال. لماذا لم تتجذر الهوية الوطنية السورية؟ تعددت الإجابات واختلفت، لكن معظمها تقاطع في نقطة تفيد بأن الدولة السورية، بوصفها كياناً سياسياً حديثاً، لم تُبنَ عبر سيرورة تاريخية طبيعية طويلة كما حدث في أوروبا مثلاً، فهي نشأت في سياق تفكك الجغرافيا والخرائط بعد الحرب العالمية الأولى. هذا النوع من الولادة السياسية السريعة غالباً ما يسبق تكوّن الأمة، لا العكس. إذاً، ماذا علينا أن نفعل ونحن عالقون منذ أكثر من قرن في تلك اللحظة التاريخية التي تبدو بمنزلة مأزق وجودي؟
بعد عام 2011، تحولت الانقسامات الكامنة التي كان النظام يديرها خِفيةً بهدوء ورويّة إلى حالةٍ ظاهرة من العيش اليومي. فحرب الأسد على السوريين أسهمت في تفعيل محفِّزاتٍ لها دور تدميري.
يفرِّق علم الاجتماع السياسي بين الدولة (State) والأمة (Nation). فالدولة قد تنشأ، في ظرفٍ تاريخي ما، بقرار سياسي يرسم الحدود. أما الأمة فإنها تتشكّل عبر الزمن، من خلال سرديات وتضحيات، وشعور مشترك بالمصير الواحد. في سوريا، بقيت الدولة متقدمة على الأمة، بل وأحياناً منفصلة عنها. وجاءت الأنظمة بعد ذلك لتقوم بأفاعيلها التي زادت الطين بلّة.
نعم، في هذا الصدد، لا يمكنني القفز فوق دور السلطات، خصوصاً في عهد الأسدين. صحيح أن النظام الأسدي لم يخلق الانقسامات في المجتمع السوري من العدم، لكنه فعل شيئاً أكثر خطورة عندما حوّل تلك الانقسامات إلى أدوات للحكم. فقام بتعزيز الشك المتبادل بين الجماعات، وربط أمان الشخص أو الجماعة بالولاء. مستخدماً دوراً مستحدثاً للدولة بأن تكون حامية لفئة ضد أخرى حسب حاجة السلطة، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً كما هو الحال الطبيعي للدول. الأمر الذي أدّى إلى أن الشعور بالانتماء الوطني لم يتحوّل ليكون مصدراً للحماية، وبقي في نظر كثيرين مجرّد شعار فارغ يستحق السخرية، في حين صارت الطائفة أو العشيرة أو المنطقة هي من تشكِّل شبكة الأمان الفعلية للفرد.
بعد عام 2011، تحولت الانقسامات الكامنة التي كان النظام يديرها خِفيةً بهدوء ورويّة إلى حالةٍ ظاهرة من العيش اليومي. فحرب الأسد على السوريين أسهمت في تفعيل محفِّزاتٍ لها دور تدميري. إذ شخصنت الألم وربطته بالهويات الفرعية بدلاً من أن يكون سوريّاً عاماً.
فبات لكل جماعة سردية خاصة بها. لم يعد الآخر المختلف مجهولاً فقط، بل أصبح مشبوهاً ويشكِّل خطراً وجودياً. وأخيراً وهو الأهم فإنها أنتجت ذاكرة دامية، مرتبطة بخسارات حقيقية، عن المجازر والقتل الممنهج والاعتقال والإخفاء والخطف، وعن التهجير وتحريك الجغرافيا.
كل هذا أوصلنا إلى المحطة الأخطر “الكراهية”. فالكراهية بعد أن كانت محدودة في خطاب يتداوله أصحابه في الجلسات الخاصة، تحولت لتغدو تجربة شعورية ملموسة، تكاد تكون عامّة. لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم، فيغدو السؤال الأهم للمستقبل كيف سننجو من هذه الكراهية؟ والأهم هو كيف نعيد بناء الظروف التي تحدّ من كونها شرطاً لازماً للبقاء؟ هل قلت شرطاً للبقاء؟ نعم، فهي اليوم ما يتغذى عليه معظم السوريين، وإن لم يعلنوا ذلك. طبعاً وكعادتي، ليس لدي جواب حاسم، لكن على المستوى الفردي، أجد أن من المهم تفكيك السرديات الجماعية المغلقة.
يعيش الفرد السوري اليوم داخل قصته التي تفسر له كل شيء، وتجيب على كامل أسئلته. من قتل أهله وتسبب بخساراته؟ ومن ظَلمه؟ تبدو لي الخطوة الأولى هنا يجب أن تبدأ بتفكيك هذه القصة حيث لا يمكن تجاهلها كما يفعل بعضهم. لست متأكداً من الكيفية التي سيتم بها هذا التفكيك، لكن أرجِّح أنه سيأتي أولاً عبر التمييز بين من ارتكب الجريمة ومن ينتمي إلى نفس جماعة المجرم. وعلى الأغلب سينتج عن هذا نوع من الإدراك بأن الألم لا يعطي، وجوباً وتلقائياً، حق التعميم. وقد نصل إلى الاعتراف بألم الآخرين الذي ننكره اليوم. ربما يبدو لكم موقفي أخلاقياً أو مثالياً. حسناً لكم هذا. أما أنا فأراه ضرورة نفسية. لأن الكراهية المستمرة تُنهك صاحبها في حين تحاول أن تُصيب من يُعتبر خصماً.
أعلم أن الكراهية في حالتنا السورية هي نتاج تاريخ طويل من تبادل الخوف والجهل بالآخر، وعلى الأغلب ستحتاج إلى مساعدات وبرامج دولية وتمويل لتفكيكها.
على الأرجح أن إعادة بناء الثقة الفردية الصغيرة لن تبني الثقة الوطنية دفعة واحدة، لكنها ستفعل ذلك على دفعات وعبر دوائر صغيرة، من مثل علاقات العمل والجوار والمبادرات المحلية. في علم الاجتماع، هناك ما يُدعى رأسَ المال الاجتماعي، وهو أحد الشروط الخفيّة لأي تعايش مستقر. والدور الأهم خلال ذلك، اليوم قبل الغد، هو للسلطة، التي عليها أن تقتنع بأن العدالة تأتي في رأس الأولويات. فلا يمكن لأي خطاب وطني أن ينجح إذا تجاهل مسألة العدالة، والاعتراف بالضحايا ومحاسبة المرتكبين، ولو جزئياً، مع حياد قانوني تام. وبداهةً لن يتم ذلك بأدوات تقليدية تشبه نقود “أهل الكهف” التي لا تصلح للتداول كما نشهد اليوم، وإنما بابتكار معالجات مختلفة وخلّاقة.
التجارب الدولية في جنوب إفريقيا ورواندا والبوسنة، رغم ما حققته من نجاحات في الكثير من المناحي، إلا أنها تُظهر بشكل جليّ أن الصفح وتجاهل المحاسبة لا يلغي الكراهية، بل يؤجل انفجارها إلى حين توفُّر شروط جديدة لهذا الانفجار. النجاة من هذه الكراهية التي نعايشها اليوم، تتطلب إعادة صياغة تعريف رمزي لأنفسنا. تعريفٌ لا يلغي الخصوصيات (الدينية، العرقية، الثقافية)، وبالتوازي لا يسمح لها بأن تتحول إلى حدود فاصلة. بمعنى آخر، أن تكون سورياً لا يجب أن يعني التخلّي عن هويتك الفرعية، لكن أن تعيش خصوصياتها داخل إطار أكبر لا يهدد الآخرين.
أعلم أن الكراهية في حالتنا السورية هي نتاج تاريخ طويل من تبادل الخوف والجهل بالآخر، وعلى الأغلب ستحتاج إلى مساعدات وبرامج دولية وتمويل لتفكيكها. لكن البداية تكون بالوصول إلى قناعة لدى السوريين بأنها ليست قدراً لا فكاك منه. والأرجح أن النجاة منها يتطلب نوعاً من النجاح في منع الألم الشخصي من أن يتحول إلى حكم نهائي على الآخرين. بالطبع ليست هناك وصفة سحرية، لكن لا بأس أن نحاول عبر لَبِنات صغيرة أن نؤسس لبناء روحٍ وطنية جامعة، تستطيع مع الوقت أن ترتفع بانتمائنا الجامع فوق انتماءاتنا الفرعية. وفي طريقنا إلى ذلك قد تتمكّن سوريا من ترميم هويتها المكسورة.
المصدر: تلفزيون وسريا






