
قد يكون من الملفت للانتباه أن باريس، من دون عواصم العالم، أرادت سنة 2013 تكريم الثورة السورية بعد أقل من سنتين على انطلاقتها، فأطفأت برجها الشهير “إيفل” كنوع من التضامن الخجول مع ثورة بقي الغرب -على الأقل- يتنكّر لها لسنوات، وحاول الشرق والغرب معاً -بمن فيهم بعض العرب- طمسها بما أوتوا من إعلام ومال وسياسات رعناء.
في سياق الثورة السورية وموقف باريس الإيجابي المُبكر، أدركت فرنسا أكثر من غيرها من الدول الأوروبية ما يمكن للثورات أن تُحدثه من تغييرات جذرية لصالح الشعوب. من هنا كانت المقاربة الفرنسية للثورة السورية هي الأكثر منطقية وأخلاقية، باعتبار أن ثورتها أحدثت تغييراً جذرياً في تاريخ ومستقبل فرنسا خصوصاً. والموقف الفرنسي الداعم للثورة السورية لن نجده في مواقف دول أوروبية أخرى، كموقف ألمانيا على سبيل المثال، التي لها تاريخ عريق في رفض الثورات، عبّر عنه خصوصاً المصلح الديني الشهير مارتن لوثر، الذي وقف إلى جانب أرباب العمل ضد الفلاحين الذين اضطروا للثورة قبل قرون لتحسين ظروف عملهم وعيشهم.
نتذكر هنا ما كتبته حنّة أرندت، الفيلسوفة الألمانية، عن الثورة الفرنسية، واصفةً إياها بالكارثة، لكنها عادت وأكدت أن هذه الثورة كانت ضرورة تاريخية.
لحظة لقاء التناقضات المتسارعة هي اللحظة صفر، لحظة انفجار يزلزل كل شيء، كل ما هو قائم. إنها بداية تاريخ جديد لا شك. والبدايات تخلق الفوضى وتخلط الأوراق. الثورة، من هذه الزاوية، هي إعادة ابتكار للزمان، ولاحقاً هي إعادة هندسة للمجتمع.
هذا صحيح، فبقدر ما تكون الثورة كارثية بالنسبة للسلطة أولاً، ثم على المجتمع لاحقاً، غير أنها كارثة ضرورية، لاسيما في المراحل الخانقة التي تفقد فيها الشعوب الأمل بحياة أفضل، بل تفقد الأمل بالحياة ذاتها كوجود مادي وروحي، عندما تضيق بها السبل لدرجة تضطرها إلى تغيير كل شيء بضربة واحدة.
الجانب “الكارثي” هنا يرجع إلى كون الثورة مجموع تناقضات يتم تكثيفها في لحظة. الثورة تقوم بتسريع تفاعل التناقضات لتجاوزها، والتكثيف والتسريع يؤديان إلى “كارثة” لأنهما يخرقان القانون الاجتماعي. الكارثة في هذه الحالة ضرورة تاريخية لعبور واقع راهن كارثي بدوره، للانتقال إلى واقع جديد ومرحلة جديدة، أي إلى حالة نوعية جديدة في مسيرة الشعوب والمجتمعات.
لحظة لقاء التناقضات المتسارعة هي اللحظة صفر، لحظة انفجار يزلزل كل شيء، كل ما هو قائم. إنها بداية تاريخ جديد لا شك. والبدايات تخلق الفوضى وتخلط الأوراق. الثورة، من هذه الزاوية، هي إعادة ابتكار للزمان، ولاحقاً هي إعادة هندسة للمجتمع.
لكن ما هي الثورة؟ وكيف يمكن لنا النظر إليها من الخارج ومن الداخل معاً؟
يعرّف المعجم السياسي الثورة بأنها تغيير جذري في أوضاع المجتمع، لا تتبع فيه ظروف دستورية، وهدفها تغيير النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. فكل حركة تؤدي إلى تغيير جذري في المجتمع، من دون عنف أو قهر، فهي ثورة. والحقيقة أن الثورة الفرنسية كان لها الفضل في إدراج الحركات الاحتجاجية الاجتماعية ضمن مفهوم الثورات، فلولا الثورة الفرنسية لما عرفت قواميس العالم مفردة “ثورة” (Revolution).
والثورة، كما عرفناها، يقوم بها بشر عاديون، لكن يخطط لها شعراء وفنانون عباقرة، حالمون و”مجانين” مثقفون ضاقوا ذرعاً من الوضع القائم. يحاول الساسة، القدماء والجدد، خطفها أو تجييرها لصالحهم، لكن الثورة، مثل أي كائن اجتماعي، تستدرك مسارها وتعيد تقويم طريقها بنقد ذاتها. وفي النهاية، لا بد أن يكون المستفيد من هذا المسار الطويل المعقد، كما في الحالتين الفرنسية والسورية، أولئك الذين قاموا بها ودفعوا ثمن اشتعالها واستمرارها. فإن قضى بعضهم، فلا شك أن أولادهم وأحفادهم سينالون بعضاً من خيرات الثورة.
الأسباب الأساسية للثورات ودور التنسيقيات (الكومونات):
يقول المؤرخ عبد الله حنا إن الثورة السورية عام 2011 نشأت بسبب المشكلات والأزمات الاجتماعية والمعيشية للفلاحين، فأزمة المواسم الزراعية الرديئة، ولاسيما تراجع إنتاج القمح والقطن، أثّرت على التجارة والصناعة، ففُرضت الضرائب لملء الخزينة، وزادت معدلات ومستويات الفقر، فقرر الفقراء العصيان. هذا ما حصل إلى حد ما في بعض المناطق التي قامت فيها الثورة، كما في ريف دمشق وبانياس والسلمية، ومن ثم الجزيرة السورية، وهي مناطق زراعية انعدمت فيها مواسم الأمطار. لم تدعم الحكومة السورية تلك المناطق، وجرت عملية لإفقارها أكثر فأكثر. في ريف دمشق مثلاً، حصلت هجرة إلى مدن صغيرة بالقرب من دمشق، كما يذكر الباحث محمد جمال باروت.
احتاجت الثورة الفرنسية إلى مئة عام لتتوج حروبها بانتصار شامل وجذري غيّر ذهنية الفرنسيين وأقام دولة العدالة والحرية والمواطنة، فكم تحتاج الثورة السورية لتنتصر انتصاراً نهائياً، ليس انتصاراً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل انتصاراً دولاتياً وثقافياً واجتماعياً؟
وسنجد أن المجالس المحلية، بقيادة النواب الفقراء والبرجوازية المثقفة، هي من أحرجت ملك فرنسا، وهو عين ما جرى بعد وقت قليل من الثورة السورية، إذ بدأ النشطاء يؤسسون تنسيقيات على مستوى المناطق والأحياء، ابتداءً من تنسيقية أحياء دمشق، أو ما يمكن تسميته “بكومونة أحياء دمشق”. فماذا فعل الملك لويس الرابع عشر ونظام الأسد لمواجهة الانتفاضة الاجتماعية التي انتشر حراكها كالنار في الهشيم؟
استدعى الملك لويس الرابع عشر قوات المرتزقة من سويسرا وألمانيا إلى قصر فرساي لحمايته و”للتصدي للجمعية الوطنية”، الجمعية التي كانت تمثل حينها أكثرية الشعب الفرنسي المقهورة. وهذا ما فعله بشار، باستدعائه للمقاتلين الأجانب من إيران وأفغانستان وأكثر من أربعين بلداً آخر، بما فيها مناطق عديدة في العالم، للقتال إلى جانب عناصر الشبيحة المكوّنين من مجرمين ومهرّبين سابقين، وإلى جانب الجيش.
لكن ملك فرنسا، رغم ذلك، لم يأمر بقتل المواطنين الثوار ولا بحرق البيوت والمتاجر والأسواق، فهو كان أكثر وطنية وأخلاقية من بشار الأسد، الذي ما زال بعضهم في الغرب يرون فيه رجلاً مثقفاً وعلمانياً. ولطالما صمتوا عن هذا “العلماني المثقف” الذي قصف شعبه بصواريخ السكود والمواد الكيماوية، وارتكب بحق المدنيين أبشع المجازر في التاريخ.
احتاجت الثورة الفرنسية إلى مئة عام لتتوج حروبها بانتصار شامل وجذري غيّر ذهنية الفرنسيين وأقام دولة العدالة والحرية والمواطنة، فكم تحتاج الثورة السورية لتنتصر انتصاراً نهائياً، ليس انتصاراً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل انتصاراً دولاتياً وثقافياً واجتماعياً؟
المصدر: تلفزيون سوريا






