
تحط طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في العاصمة الألمانية برلين، يوم الإثنين، في زيارة هي الأولى إلى ألمانيا الاتحادية والثانية في الاتحاد الأوروبي بعد فرنسا، في خطوة تبدو لإعادة تنشيط العلاقات مع واحدة من أبرز دول العالم اقتصادياً، ستليها زيارة إلى المملكة المتحدة أيضاً.
وسيلتقي الرئيس الشرع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بحسب ما أفاد الناطق باسم الحكومة شتيفان كورنيليوس الذي قال إن “المستشار سيستقبل الرئيس الشرع في مقر المستشارية الإثنين”.
وكانت الزيارة مقررة في كانون الثاني الماضي بعد الدعوة التي قدمها ميرتس للشرع لبحث التعاون بشأن عودة اللاجئين واستقرار الأوضاع في سوريا، لكن الجانب السوري طلب إرجاءها، بحسب ما أعلنت برلين في حينه، لتزامن موعدها مع عمليات الجيش السوري في مناطق شمال شرقي سوريا التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
ولفت كورنيليوس إلى أن الشرع سيحضر خلال الزيارة منتدى اقتصادياً “يبحث فيه ممثلون للحكومة ومسؤولون كبار في عالم الأعمال آفاق الانتعاش الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا”.
ورأى أن “النزاع الطويل الأمد في سوريا كان له أثر مدمّر على الاقتصاد”، لا سيّما “الفقر في أوساط الشعب والتكاليف المرتفعة لإعادة الإعمار”.
وبعد أقل من شهر على سقوط النظام كانت وزيرة الخارجية الألمانية حينها أنالينا بيربوك إلى دمشق والتقت مع (قائد الإدارة السورية حينها) أحمد الشرع، قائلة إن “زيارة دمشق إشارة من الاتحاد الأوروبي على إمكانية بداية علاقة سياسية جديدة مع سوريا”، ثم أتبعتها بزيارة ثانية في آذار 2025.
ومنذ افتتاح السفارة في آذار 2025، شهدت العلاقات الألمانية السورية تحولاً جذرياً نحو التقارب، وشملت تركيزاً على ملفات إزالة الألغام، دعم التعافي الاقتصادي، وإدارة الكوارث، مع بحث دور أوروبي أوسع في إعادة الإعمار، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا البالغ عددهم نحو 940 ألف شخص.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياق أوروبي أوسع، يشهد ما يشبه الإجماع في المواقف تجاه الانفتاح على دمشق، والعمل على التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار وملف اللاجئين.
في المقابل يسعى الشرع من خلال هذه الزيارة، إلى تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها جذب الاستثمارات الأوروبية، وفتح قنوات التمويل لإعادة الإعمار، إلى جانب تعزيز الاعتراف السياسي الأوروبي بالحكومة السورية.
الكهرباء ملف أول
وقالت مصادر حكومية لتلفزيون سوريا، إن الخارجية السورية سارعت إلى تعيين عدد من الدبلوماسيين رسمياً ببعض العواصم الأهم في العالم لبدء رسم خطط تشبيك العلاقات مع صناع القرار في المجتمع الدولي.
وأضافت المصادر أن هذه التعيينات شملت الولايات المتحدة وألمانيا وتركيا والسعودية وستتبعها قوى دولية في آسيا وأوروبا أيضاً.
وعينت الخارجية السورية محمد براء شكري قائماً بأعمال السفارة السورية لدى برلين في كانون الثاني الماضي، دون بيان رسمي، إلا أن الدبلوماسي الجديد كان يشغل إدارة الشؤون الأوروبية في الخارجية قبل أن يظهر إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني خلال حفل افتتاح مقر القنصلية السورية في مدينة بون الألمانية في 12 شباط المنصرم، إلى جانب حضوره لمعظم اجتماعات الشيباني على هامش مؤتمر ميونخ للأمن.
وبيّنت المصادر أن دمشق تنظر إلى برلين على أنها معنية بشكل مباشر في قيادة استثمارات اقتصادية وتجارية فاعلة في سوريا خلال الفترة المقبلة، باعتبارها الاقتصاد الثالث الأقوى على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين.
وأشارت إلى أن “ملف الكهرباء في سوريا، مرتبط بشكل مباشر بألمانيا، خاصة أن جزءا من البنية التحتية للكهرباء في سوريا كانت بمعدات من شركات ألمانية على رأسها (سيمنس) للطاقة”.
وهذه التصريحات تتفق مع ما ذكرته وكالة “رويترز” في 13 نوفمبر 2025، نقلاً عن مصادر أن شركة جنرال إلكتريك فيرنوفا الأميركية وشركة سيمنس إنرجي الألمانية تجريان محادثات لتوريد توربينات غاز لمشروع بقيمة 7 مليارات دولار يهدف إلى إعادة بناء قطاع الطاقة المتضرر من الحرب.
ووقعت سوريا اتفاقاً مع شركة تابعة لباور إنترناشيونال القابضة القطرية في مايو/ أيار 2025 لبناء أربع محطات لتوليد الطاقة بتوربينات غاز ذات دورة مركبة بطاقة إجمالية تبلغ 4000 ميغاواط. ويشمل الاتفاق أيضا محطة للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط.
وذكر مصدر أنه من الممكن منح كل من سيمنس إنيرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا عقوداً للمشروع، مضيفًا أنه من السابق لأوانه تحديد موعد إبرام الاتفاقيات.
وقال مصدر آخر من الثلاثة إن المحادثات يمكن أن تفضي أيضاً إلى إبرام اتفاقيات تتجاوز التوربينات لتشمل توريد البنية التحتية الحيوية لشبكة الكهرباء.
وقالت سيمنس للطاقة إن “وفداً محلياً من سيمنس التقى مع صانعي القرار السوريين لاستكشاف كيفية تحسين إمدادات الطاقة في البلاد في الأمد القصير”.
وأفاد متحدث باسم الشركة “على الرغم من عدم إبرام أي اتفاقيات أو عقود محددة، فإننا على استعداد للمساهمة بخبرتنا التقنية إذا كان بإمكانها المساعدة في إنشاء واستقرار إمدادات الطاقة الموثوقة ودعم السكان”.
ويواجه قطاع الكهرباء في سوريا أزمة مزمنة، تعاني من نقص حاد في الإنتاج وساعات انقطاع طويلة، مما دفع الحكومة إلى رفع التعرفة المنزلية منذ نهاية تشرين الأول 2025 لتشمل شريحتين (600 ل.س لأول 300 كيلوواط، و1400 ل.س لما زاد عن ذلك)، في محاولة لتحسين الإمدادات وتقليص العجز المالي، وسط استمرار الاعتماد الكبير على البطاريات والأمبيرات.
ملف اللاجئين
وبلا شك أن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا (وفي عموم الاتحاد الأوروبي) سيكون ملفاً أساسياً في الزيارة التي سيجريها الرئيس الشرع إلى برلين، مع وجود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، عاد عدد قليل منهم إلى سوريا بعد سقوط النظام.
وفي مطلع آذار 2026، أظهر التقرير السنوي لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي “EUAA” أن نحو 151 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في عام 2024، مقارنة بـ42 ألفاً في عام 2025، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبات.
وتجدد الجدل في الإعلام والسياسة الألمانية بشأن عودة اللاجئين السوريين، منذ نهاية عام 2024، وتحول المزاج العام في ألمانيا إزاء سياسات اللجوء.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية إلى انقسام داخل الطيف الحزبي وبين الرأي العام حول توقيت العودة وشروطها، في حين يدفع المحافظون إلى تشديد الإجراءات وتسريع الترحيل، مقابل دعوات أخرى لتقييد العودة بسبب أوضاع البنية التحتية والأمن.
وخلال العام 2025، اتخذت الحكومة الألمانية عدة خطوات تشريعية وإجرائية أكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، استهدفت بشكل خاص اللاجئين السوريين الذين يشكلون أكبر جالية لجوء في البلاد.
وفي حزيران 2025، أقرّ البرلمان الألماني تعليق لمّ شمل العائلات لمدة عامين للاجئين الحاصلين على حماية فرعية، كما شرعت وزارة الداخلية في إعداد اتفاقات ثنائية مع دمشق لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، بدءاً بالمجرمين أو فاقدي الإقامة القانونية.
وفي الإطار نفسه، تعمل ألمانيا على تصنيف بعض مناطق سوريا ضمن ما يسمى “دول المنشأ الآمنة”، وهو ما يسهل قانونياً تسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء الجديدة وترحيل أصحابها.
البرلمان الأوروبي يفتح باب الترحيل
وفي تحول جذري لسياسات الهجرة، منح البرلمان الأوروبي الضوء الأخضر لترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى مراكز احتجاز خارج حدود القارة.
وتأتي هذه الإجراءات التي انتقدتها منظمات حقوق الإنسان، في إطار تشديد قوانين الهجرة في أوروبا استجابة لضغوط متزايدة في أنحاء التكتل المكون من 27 دولة للحدّ من الهجرة.
وجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 389 صوتاً مؤيداً مقابل 206 أصوات معارضة. وطالبت بهذه الإجراءات غالبية الدول الأعضاء بالإضافة إلى نواب من اليمين واليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي الذين استقبلوا نتيجة التصويت بتصفيق حار في قاعة البرلمان. وتدفع نتيجة التصويت نحو مفاوضات بين المشرّعين والدول الأعضاء للتوصل إلى نص نهائي.
وقالت مارتا ويلاندر من لجنة الإنقاذ الدولية “ستُقام هذه المراكز خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، حيث لا يستطيع صانعو السياسات ضمان احترام حقوق الناس”.
ومع ذلك، فإن مجموعة صغيرة من الدول، من بينها الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا، تمضي قدماً وتستكشف خيارات لإنشائها، وفق مصدر دبلوماسي لوكالة “أ ف ب”.
السياسة والأمن وإزالة الألغام
إلى جانب الملفات الاقتصادية والإنسانية، يبرز ملف السياسة والأمن كأحد المحاور الرئيسية في الزيارة، في ظل سعي الطرفين إلى بناء أرضية مشتركة توازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي في سوريا والمصالح الأوروبية في الحد من التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
وتولي ألمانيا أهمية خاصة لملف مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، ضمن مقاربة أوروبية تقوم على دعم الاستقرار ومنع عودة تنظيم “داعش”، لا سيما في المناطق الخارجة حديثاً من النزاع في شمال شرقي سوريا.
كما يتوقع أن يشمل النقاش التعاون في مجالات ضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهي قضايا باتت تشكل أولوية للأمن الأوروبي.
وتأتي زيارة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، إلى برلين، بهدف تعزيز التعاون في مجالات إدارة الكوارث والطوارئ، بما يشمل ملف إزالة الألغام.
زيارة لا تخلو من انتقادات
ورغم أن جزءاً من الجالية السورية في ألمانيا تستعد لحفل استقبال رسمي لأول زيارة من نوعها للرئيس السوري إلى ألمانيا، إلا أن إعلان الزيارة لم يخلُ من انتقادات، إذ أثارت دعوة الشرع لزيارة ألمانيا في كانون الثاني الماضي ردود فعل متباينة داخل بعض أوساط عدد قليل من السوريين في ألمانيا إلى جانب عدد من كرد تركيا والعراق وإيران ومنظمات ألمانية.
وفي خضم العملية العسكرية التي كانت تجري في شمال شرقي سوريا حينها، دعا نداء مشترك، وقّعه كل من “اتحاد العلويين في أوروبا” و”الجالية الكردية في ألمانيا”، إلى “إصدار مذكرة توقيف (بحق الرئيس الشرع) بدلاً من استقباله في المستشارية”، في تعبير واضح عن رفض هذه الأطراف للزيارة، وتحفظها على الانفتاح السياسي الأوروبي تجاه الحكومة السورية الجديدة.
وتزامناً مع ذلك شهدت برلين تظاهرة احتجاجية شارك فيها قرابة 2000 شخص احتجاجاً على زيارة الشرع، رغم إعلان الحكومة السورية تأجيل زيارته الرسمية إلى ألمانيا.
المصدر: تلفزيون سوريا






