أحمد قعبور.. رحيل الجسد وحضور صوت الثورة والقضية

حنين عمران

مقتبساً من سعد الله ونوس جملته “نحن محكومون بالأمل”، بدأ الفنان الراحل أحمد قعبور غناءه في تظاهرة “وطن يتفتح حرية” في الدوحة 2012 معلناً موقفاً لا حياد فيه ولا مهادنة إلى جانب الشعب السوري في ثورته. وكان لسوريا كما توقّع قعبور ما يليق بها “سوريا بيلقبلا كتير.. سوريا يا بسمة بكرى”.

أغنيات عديدة عن الأرض والثورة والحقّ، غنّاها الراحل قعبور مؤكداً أنه لن يكون إلا فناناً من الشعب ومن أولئك المستضعفين في الأرض في مقاومتهم لفعل القهر المستمر عبر الزمن “بدي غني للناس يلي ما عندهم ناس”.

فن ملتزم عن القضية والثورة

ربما كان لأغنية “أناديكم” النصيب الأكبر في ذاكرة الشعب العربي، تلك الأغنية التي تردد صداها عبر الراديو والتلفاز في مناسبات ثورية وعلا صوتها في ساحات التظاهر، ورافقت المقاتلين في المعارك، لتتجاوز سياقها الأصلي وتتحول إلى تذكيرِ هادر عبر الزمن بأن لأصحاب الحقّ في دفاعهم المستميت عن حقّهم قُدسيةً لا ينالها المتخاذلون.

ولد قعبور في بيروت عام 1955 في بيئة شعبية تسرّبت إليها مناوشات اليمين واليسار، وأفكار الثورة والنضال، وجمعت اللبنانيين والفلسطينيين في أزقّة متلاصقة، وهو ما كان له عظيم الأثر في تشكيل شخصية قعبور ورسم مبادئه، بعد أن عايش نكسة حزيران (1967) والحرب الأهلية (1975) ومذبحة صبرا وشاتيلا (1982) وهو لا يزال شابّاً، ليصير الفن لديه آليةَ دفاع نفسي تسمو به على مأساة الواقع، وتجاوزاً لصدمات حادة، وتعبيراً عن الرفض والعنفوان.

ولم تكن أغنياته حتى في سنوات فنّه المبكر مجرّد كلمات تُصاغ في لحن موسيقي، بل تحولت إلى مشهد درامي تام الأركان، مستفيداً في ذلك من دراسته الموسيقا وتخصصه أيضاً في التمثيل والإخراج المسرحي في الجامعة اللبنانية، ليصنع أعمالاً فنية تُخلّد اسمه اليوم كما خلّدت قصص الإنسان والقضية.

شارك قعبور في أفلام ومسرحيات مثل “شي فاشل” لزياد الرحباني، و”كارلوس” للفرنسي أوليفييه أساياس، وفيلم عن حياة “ناجي العلي” للمصري عاطف الطيب، أجاد فيها قعبور أداء أدوار عن شخصيات ذات أثر في لبنان وفلسطين، يتشارك معها هو نفسه حساسية المبادئ ومسؤولية أصحاب الفكر والقلم.

وفي لقاءٍ له على قناة العربي 2 خلال العام الفائت، أكد قعبور ثبات موقفه وأنه قرر مواجهة التيار بدلاً من مجاراته منذ كان في العشرين من عمره قائلاً “أفضل -مليون مرة- أن تطلق الصوت وأن تسأل السؤال.. أنا لا أملك الحقيقة كاملة لكن أحد أهم مبررات الإبداع والأدب والفن أن تحاول الوصول إلى الحقيقة”.

أغنية للأمل وأُخرى للمعتقل

أدرك أحمد قعبور منذ بداياته أن الإنسان يُقاس بمواقفه وأن قضايا الشعوب لا تقبل لوناً رمادياً كما لا تقبل في تبنّيها التفكير مرتين، فأعلن موقفاً واضحاً تجاه الثورة السورية منذ بداياتها، ولم يكن ذلك إلا امتداداً طبيعياً لموقفه الأخلاقي والإنساني طيلة حياته، هو الذي غنى “وينك يا حريّة” كسؤال مفتوح عن تمثلات الحريّة وعناوينها بعد أن “هجموا الذئاب علينا” كما وصفهم قعبور.

ولأنّ الصوت كان بداية كلّ ثورة، غنى قعبور للثائرين في وجه نظام الأسد أغنيةً وللمعذبين في معتقلاته والمغيّبين قسراً أغنيةً ثانية، وحينما سُئل عن الثورات العربية والثورة السورية، قال “الثورة عمل يومي مستدام لا يحتاج إلى حزب طليعي وقائد ملهم”.

“الثورة عمل يومي مستدام لا يحتاج إلى حزب طليعي وقائد ملهم”

في تظاهرة فنية وثقافية بعنوان “وطن يتفتّح حرية” أقيمت في الدوحة عام 2012 دعماً للثورة السورية، غنى قعبور أغنية “ما حدا ينطر” بانفعال واضحٍ على المسرح وكأن قعبور يغني بكل جوارحه إثباتاً لموقف ثوري صادق، مذكّراً قبل البدء بغنائه بالطفل حمزة الخطيب الذي قتلته مخابرات النظام المخلوع.

وبعد مرور عشر سنوات وتوثيق مئات الألوف من المعتقلين والمغيبين قسراً في معتقلات الأسد، وبالتزامن الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية، غنى قعبور لذوي المعتقلين السوريين مواسياً لهم، أغنية “تبقي ذكريني”، التي يطرح من خلالها السؤال الأول الذي يراود المعتقل ما إن يصير في الزنزانة؛ فهل ينساه الأحبّة والأصدقاء أم يبقى في ذاكرتهم كوعدٍ جميلِ مُغيّبِ يتحقق يوماً “خلي الوعد لا ينعس ولا ينام.. يلغي العتم ويكبّر الأحلام”.

صوتٌ يصنع فارقاً

لم يكن قعبور في أغنياته مؤدياً يُحسن مجاراة السلالم الموسيقية وحسب، بل كانت تلك الأغنيات في حد ذاتها وثيقةً إنسانية صاغها “المثقف العضوي” -بتعبير غرامشي- المنخرط في قضايا مجتمعه والمتحدث بلسان همومهم، كما كانت أغنياته بياناً ثورياً يتلوه بحزم “المثقف الثوري” كما يستحق قعبور أن نسميه.

“أنا ما بعرف من الشمس إلا شمس الأغاني”

توفي قعبور عن عمر ناهز 71 عاماً في 26 آذار/ مارس 2026 في بيروت، بعد صراعٍ مع المرض، ليطوي فصلاً من تاريخ الأغنية العربية الملتزمة، بعد أن تأرجح صوته بين العنفوان الثوري الذي لا يعرف الانكسار تارةً، والحزن العميق الذي تخّلفه مآسي الحروب تارةً أُخرى. ولم يثنهِ شيءٌ عن الفن الذي لم يكن بالنسبة إليه ترفاً بل فعل مقاومة حقيقي “بدي غني للناس، في موت.. بصرخ ما بيطلع صوت”.

كان قعبور جميلاً أو “حلواً” كما قال عن نفسه في إحدى مقابلاته “كنا طيبين، وعلى الطريقة اللبنانية: كنا حلوين ونعتقد أن ما نطمح إليه سنحققه في الغد”، وكان شاهداً حتى آخر أيامه على حرب لمّا تنتهِ بعد وتعاود الاشتعال بين الحين والآخر فيما لم يملك هو نفسه أمامها إلا صوته “أنا ما بعرف من الشمس إلا شمس الأغاني”.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى