
يحمل عيد النوروز في سوريا هذا العام دلالات تتجاوز كونه مناسبة ثقافية تقليدية، ليصبح مؤشراً على تحولات سياسية عميقة شهدتها البلاد بعد عقود من القيود الأمنية والتضييق على مظاهر الاحتفال به، خصوصاً لدى السوريين الكرد الذين ارتبط العيد في وجدانهم بمعاني الحرية والانعتاق.
على مدى عقود، تجاوز احتفال الكرد في سوريا بالنوروز كونه مناسبة موسمية، إذ تحوّل إلى فعل محفوف بالمخاطر، حيث فرض النظام المخلوع في عهد الأسدين، الأب والابن، قيوداً صارمة على أي تجمعات عامة مرتبطة به، ومنع مظاهر الاحتفال التقليدية مثل إشعال النيران، وارتداء الأزياء الكردية، ورفع الرموز الثقافية، في محاولة لاحتواء أي تعبير جماعي عن الهوية الكردية.
وفي كثير من الأحيان، تحولت هذه المناسبة إلى بؤرة توتر أمني، خاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية في شمالي وشمال شرقي البلاد.
ومع سقوط نظام بشار الأسد، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة انعكست بشكل مباشر على طبيعة التعامل مع القضايا الثقافية والهوية، وعاد النوروز إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز رموز التنوع السوري، حيث بدأت الاحتفالات تُقام بشكل علني في عدد من المدن والبلدات.
التحول الأبرز تمثل في إعلان الحكومة السورية الجديدة الاعتراف بعيد النوروز كعطلة رسمية ضمن الأعياد الوطنية، في خطوة حملت أبعاداً سياسية وثقافية واضحة، ترافقت مع حزمة إجراءات أوسع تتعلق بالملف الكردي، شملت منح الجنسية السورية لآلاف من مكتومي القيد، والإقرار بالحقوق الثقافية للسوريين الكرد، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أسس أكثر شمولاً.
هذا الاعتراف كان بمثابة مقاربة جديدة من الدولة لقضايا الهوية الكردية، بعد سنوات من السياسات التي اتسمت بالتشدد تجاه الخصوصيات القومية للمكون الكردي في سوريا.
فالنوروز، الذي كان يُنظر إليه سابقاً بعين الريبة، بات اليوم مناسبة رسمية تعبّر عن التعددية الثقافية في سوريا، ورسالة سياسية تشير إلى إمكانية بناء نموذج جديد للتعايش.
“مساحة مقاومة رمزية“
في هذا السياق، يذهب الناشط الكردي أحمد الخلف، المنحدر من مدينة عفرين، إلى أن النوروز شكّل على الدوام مساحة “مقاومة رمزية” في مواجهة سياسات الإقصاء.
ويشرح، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن “نظام البعث المخلوع كان يدرك أن النوروز ليس مجرد احتفال موسمي، بل استعادة لسردية تاريخية كاملة عن التمرد على الظلم والانتصار على الاستبداد، تبدأ من أسطورة كاوا الحداد ولا تنتهي عند الواقع المعاصر”.
ويضيف أن “منع إشعال النيران أو رفع الأعلام الكردية كان جزءاً من محاولة كسر هذه السردية ومنع تحولها إلى وعي جماعي سياسي”.
ويؤكد الخلف أن العلاقة بين النوروز والسياسة تشكلت في الذاكرة الجمعية الكردية تدريجياً مع تراكم القمع، قائلاً: “حين تُمنع من الاحتفال بلغتك وثقافتك، يصبح أي تعبير ثقافي فعلاً سياسياً. النوروز في سوريا لم يُسَيَّس من قبل الناس بقدر ما فُرضت عليه السياسة من قبل نظام البعث”.
سويون كُرد يحتفلون بعيد النوروز في دمشق، 20 آذار 2026 ـ غيتي
لغة مشتركة للتعبير عن المطالب
من جهتها، توسّع الناشطة الكردية دلال خليل في قراءة هذا الارتباط، معتبرة أن النوروز تحوّل إلى “لغة مشتركة” بين الكرد للتعبير عن مطالبهم.
وتقول إن “الأغاني التي كانت تُغنّى في العيد، والرقصات الجماعية، وحتى الأزياء، كانت تحمل رسائل سياسية غير مباشرة تتحدث عن الأرض والهوية والحرية”.
وتشير إلى أن “الكثير من الشباب كانوا يعتبرون المشاركة في احتفالات النوروز نوعاً من الانخراط في فعل احتجاجي سلمي، رغم المخاطر”.
وتستعيد، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، بعض مشاهد القمع التي رافقت العيد في سنوات سابقة، خاصة في محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، موضحة أن “الأجهزة الأمنية كانت تتعامل مع النوروز كحدث أمني بامتياز، حيث تُنشر قواتها، وتُفرض رقابة مشددة على القرى والبلدات، وأحياناً يتم اعتقال مشاركين فقط بسبب رفعهم للعلم الكردي”.
وترى أن هذه السياسات “عمّقت من رمزية النوروز كعيد للحرية، لأن الناس ربطت بين الاحتفال به وبين كسر الخوف”.
وتضيف أن “سقوط نظام الأسد أعاد تعريف النوروز نفسه، إذ لم يعد مجرد فعل تحدٍ، بل أصبح مناسبة للاحتفال العلني بالهوية، وهذا بحد ذاته تحول كبير”، لكنها تحذر في الوقت ذاته من الاكتفاء بالرمزية، قائلة: “الاعتراف بالنوروز كعطلة رسمية خطوة مهمة، لكن الأهم هو ترجمتها إلى سياسات تضمن الحقوق الثقافية واللغوية للكرد بشكل فعلي في الدستور السوري”.
معالجة جذور القضية الكردية
ويرى ناشط كردي آخر، فضل عدم ذكر اسمه، أن النوروز اليوم يقف عند مفترق طرق بين كونه عيداً ثقافياً جامعاً، وبين خطر إعادة احتوائه سياسياً بشكل مختلف.
ويقول، لموقع تلفزيون سوريا، إن “هناك خشية لدى بعض الأوساط الكردية من أن يتحول الاعتراف الرسمي بالنوروز إلى أداة لاحتوائه ضمن خطاب الدولة، دون معالجة الجذور العميقة للقضية الكردية”.
ويتابع: “النوروز تاريخياً هو عيد كسر القيود، وإذا لم ينعكس هذا المعنى في الواقع السياسي، فقد يفقد جزءاً من روحه”.
ومع ذلك، يقر بأن المشهد الحالي في سوريا “أفضل بكثير من الماضي”، حيث بات بإمكان الناس الاحتفال دون خوف، وهو ما يصفه بأنه “إنجاز بحد ذاته بعد عقود من المنع”.
ويأتي عيد النوروز هذا العام في ظل متغيرات سياسية وأمنية تشهدها مناطق شمال شرقي سوريا، خاصة في محافظة الحسكة، حيث تتداخل التفاهمات بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
هذه التطورات تضفي على الاحتفال أبعاداً إضافية تتجاوز طابعه الثقافي، ليصبح مؤشراً على شكل المرحلة المقبلة.
وبالنسبة لكثيرين، يمثل النوروز هذا العام بداية مرحلة جديدة في سوريا، تقوم على الاعتراف بالتنوع واحترام الخصوصيات الثقافية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السياسي، والحاجة إلى ترجمة هذا الاعتراف الرمزي إلى سياسات مستدامة تعزز التعايش وتبني مستقبلاً أكثر توازناً في سوريا.
المصدر: تلفزيون سوريا






