نتنياهو يجرّ القوة الأميركية مجدّداً إلى مصيدة الشرق الأوسط

رفيق عبد السلام

أخيراً نجح نتنياهو، وللمرّة الثانية، في جرّ الحليف الأميركي إلى رمال الشرق الأوسط المتحرّكة، بعد مناورات ومخاتلات امتدّت سنواتٍ طويلة لتحقيق مراميه. كان في كلّ مرّة يلقى صدّاً وإعراضاً من الإدارات الأميركية المتعاقبة، ليس حبّاً في الإيرانيين أو شفقة بهم، ولكن خشية ما يترتّب على هذا العمل العسكري من تداعياتٍ خطيرة تمسّ مصالح القوة الأميركية وحلفائها في الإقليم، وما هو أوسع من ذلك.

وكان الظنّ الغالب أن تجربتَي العراق وأفغانستان المريرتَين لن تتكرّرا، بسبب ما صاحبهما (ولحقهما) من خسائر بشرية ومالية ورمزية هائلة، كلّفت الولايات المتحدة كثيراً في الشرق الأوسط والساحة العالمية الأوسع، وما زالت تعاني تبعاتها. ومن ذلك أنها زعزعت وضعها العالمي، ورفعت منسوب الكراهية ضدّها، ووفّرت الفرصة لخصومها لإعادة التموضع في مواقع ومساحات دولية على حسابها. فقد تمكّن الصينيون من تعزيز حضورهم التجاري والسياسي العالمي، وخصوصاً في مناطق الفراغ الرخوة في أفريقيا وآسيا، بنهج مثابر وذكي. كما نجح الروس، في زحمة انشغال المحافظين الجدد، بحروبهم العبثية في العراق وأفغانستان، في إعادة بناء جيشهم، بل إنقاذ الدولة الروسية المترنّحة من خطر الانهيار، واستعادوا شيئاً من قوتهم المفقودة. وكان ذلك حينما كان رموز المحافظين الجدد يتغنّون بالقرن الأميركي الجديد وعصر الهيمنة الأميركية. واليوم، ما عاد موضوع التعدّدية القطبية مجرّد مطلب أو حلم يراود القوى الكبرى المنافسة لواشنطن، بل بات واقعاً ملموساً، ويزداد رسوخاً يوماً بعد يوم، رغم إصرار الأميركيين على تأبيد هيمنتهم المطلقة بلا منافس.

طرح ترامب، في استراتيجيته للأمن القومي، أولوية السيطرة الأميركية على المجال الغربي، وخصوصاً في فنائها الخلفي في أميركا الجنوبية، وقد دشّن هذا باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته من سريرهما، وخنق كوبا. إلا أن ما يفعله في إيران عود على بدء، أي تركيز حروبه ومعاركه في الشرق الأوسط مجدّداً، نيابة عن إسرائيل، وبدفع منها، التي يبدو أنها تريد أن تقاتل بآخر جندي أميركي في الشرق الأوسط من أجل مشروعها الخاص في إقامة “إسرائيل الكبرى”، وبناء الشرق الأوسط الجديد الذي يراود قادتها ويجري على ألسنتهم. والواضح هنا أن ترامب لا يجد غضاضة في منح إسرائيل وكالة حصرية للشرق الأوسط تحت المظلّة الأميركية، بل هو يريده كذلك شرقاً أوسطاً إسرائيلياً، لا يزيد دور العرب فيه عن ضخّ النفط، وفتح الأسواق من طرف أغنيائهم، والمدّ باليد العاملة الرخيصة من فقرائهم.

ما يمكن استقراؤه، وسط غبار الحرب الجارية، أنها تحوّلت إلى حرب إقليمية، مع توجّه إيران إلى ضرب القواعد العسكرية والمؤسّسات المدنية في دول الجوار وتعريض أمنها للخطر. كما أخذت هذه المعركة امتدادات دولية أوسع نطاقاً، مع توجّه طهران إلى إغلاق شبه كلّي لمضيق هرمز، ما أحدث شللاً في قطاع الطاقة، واهتزازاً في الأسواق، واضطراباً في الاقتصادات العالمية، وهو أمر ستكون تبعاته ثقيلة في الأشهر المقبلة. كما بات جلياً أنها حرب إسرائيلية، وبأجندة وأولويات إسرائيلية بامتياز، وإن كانت تجري بأيدٍ وأسلحة وأموال أميركية. فهذه هي المرّة الأولى منذ ولادة دولة الاحتلال التي تخوض فيها واشنطن حرباً مكشوفة جنباً إلى جنب مع حليفها الإسرائيلي، بعدما كانت تكتفي بالإسناد بالسلاح والمال والمعلومات، أو التدخّل في المراحل الأخيرة من القتال لمساعدة تل أبيب في تحقيق مراميها وترجيح كفّتها على أعدائها، كما حصل في حرب الاثني عشر يوماً الماضية، في يونيو/ حزيران الماضي، مع طهران.

للأميركيون تحكّم شبه مطلق في الجو، مع قدرة تدميرية هائلة، ولكن في الجهة المقابلة ما زالت القوة الصاروخية الإيرانية تصيب تل أبيب وسائر المدن الإسرائيلية

ظلّ نتنياهو يقرع الأبواب، ويدقّ طبول الحرب ضدّ إيران، ويعمل لاستدراج واشنطن بالسبل كلّها، فيما اختارت الأخيرة استخدام سلاح العقوبات والخنق بدل الذهاب إلى حسم عسكري مكلف جداً، لكن نتنياهو وجد ضالّته هذه المرّة في رئيس أميركي يحمل خليطاً من الطمع والمقامرة والهشاشة السياسية، ليعيد سحبه مجدّداً إلى ساحة الشرق الأوسط، بعدما استهواه الانتصار السريع والاستعراضي الذي سجّله ترامب ضدّ فنزويلا في عملية خاطفة، وكانت تحدّثه نفسه بتكرار السيناريو ذاته أو شيء منه في طهران.

تمتلك الولايات المتحدة تفوّقاً نارياً هائلاً، خصوصاً في مجال الجو، ولديها قدرة تدميرية لا تضاهيها أي قوة أخرى، ولكن هذا لا يضمن لها بالضرورة فوزاً ساحقاً وسريعاً كما ظنّ ترامب وفريقه، لا سيّما مع غياب الرؤية، وتقلّب الأهداف السياسية للحرب بتقلّب مزاج ترامب نفسه. فمرّة يتحدّث الرجل عن إسقاط النظام في إيران، ومرّة يتحدّث عن تغيير أو تعديل من داخل النظام من خلال تصعيد آية الله أميركي الهوى، وأخرى عن ضرب القوة النووية والصاروخية الإيرانية، وأحياناً عن إضعاف إيران ومنعها من تهديد جيرانها… هذا من دون أن نتوقّف عند تفاوت الأجندة بين نتنياهو وترامب؛ فبينما تريد تل أبيب أن تذهب بعيداً بما يتجاوز حتى إسقاط النظام، نحو تفكيك البلد إلى كيانات متناثرة، أو في الحدّ الأدنى دفعه نحو حرب أهلية، وفق رؤيتها الخاصّة لمحيط مفكّك ومتصارع، فإن ما يعني ترامب، بالدرجة الأولى، هو أن تضعف إيران إلى الحدّ الأقصى، والأهم من ذلك كلّه أن يضع يديه على النفط والغاز، وما فوق الأرض وتحتها، بما يمكّنه من جلب المكاسب الإمبراطورية، واستمالة الناخب الأميركي بالقول إنه قد غنم تريليونات الدولارات من هذه الحرب، خلافاً لأسلافه من الديمقراطيين والجمهوريين “الأغبياء” الذين بدّدوا الأموال في حروب خاسرة وبلا جدوى.

ما هو واضح أنه لا يوجد نموذج فنزويلي في إيران، والمؤشّرات كلّها تفيد باحتمال تحوّل الأمر إلى حرب استنزاف قد تخرج عن السيطرة، ولكنّ إيران أعدّت نفسها لها، رغم الاختلال في موازين القوى، لا سيّما مع نجاحها في احتواء الاندفاع الأميركي الأوّلي، وتجيير عامل الوقت نسبياً لصالحها، مستفيدة من اتساع حجمها الجغرافي، وتعقيد تضاريسها، وثقلها السكّاني.

المؤشّرات كلّها تفيد باحتمال تحوّل الأمر إلى حرب استنزاف قد تخرج عن السيطرة

ويبدو أن هناك ما يقرّب من توازن القوى، أو بالأحرى توازن الأضرار، باعتماد كلٍّ من طرفي الصراع على عناصر قوّته مقارنة بالخصم. فللأميركيون تحكّم شبه مطلق في الجو، مع قدرة تدميرية هائلة، ولكن في الجهة المقابلة ما زالت القوة الصاروخية الإيرانية تصيب تل أبيب وسائر المدن الإسرائيلية، وتضغط طهران من خلال جبهة لبنان، ثم تحريك أذرعها في العراق، وربما يلتحق الحوثيون بالمعركة. كما بات واضحاً أنه لا يمكن تقويض النظام الإيراني أو حسم المعركة بصورة نهائية من دون إنزال قوات على الأرض، ولكن لا أحد يتصوّر أن ترامب سيُقدِم على هذه الخطوة بالغة المجازفة في فترة حسّاسة تسبق الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. فترامب لا يريد الحروب المكلفة والخاسرة، ولكنّه لا يجد غضاضة في خوض حروب سريعة وخاطفة ينتج منها كسر العدو، وجلب مداخيل وأموال وثروات للخزانة الأميركية، والقليل أو الكثير منها إلى جيوبه هو وعائلته. والأرجح هنا أن حرب إيران خرجت عن المتن الترامبي، فلا هي بالحرب السريعة ولا المربحة، وفاتورة تكاليفها أعلى بكثير من المنافع المحتملة التي قد لا يأتي منها شيء.

يبقى عنصر الضغط الأكبر على واشنطن وحلفائها هو ملفّ الطاقة وارتداداته في مختلف العواصم العالمية، لا سيّما مع إصرار إيران على إغلاق مضيق هرمز والتحكّم بحركة السفن، ثم الكلفة الثقيلة للانتشار العسكري واستخدام السلاح، وتبلغ نحو مليار دولار يومياً، في مقابل قدرة إيران على استخدام تقنيات وأسلحة أرخص وأنجع في معارك غير متكافئة.

ختاماً، الحروب شرّ عظيم، وهي مدمّرة للأنفس والعمران، ولكلّ مقوّمات الحياة، ولكن إن كان هناك من خير في هذا الشرّ الكبير فهو أن هذا العدوان على إيران سيستكمل ما بدأته حرب الإبادة الجماعية ضدّ غزّة، وهو أن “التابو” (المحرّم) الإسرائيلي بدأ يتخلخل في دوائر النُّخب، وحتى لدى الرأي العام الأميركي. ويتلخّص ذلك كلّه في سؤالَين كبيرَين: لماذا نخوض حروباً مهلكة ومكلفة من أجل إسرائيل ونيابة عنها، في وقت لا يوجد فيه تهديد جدّي للأمن القومي الأميركي؟ ولماذا يتحمّل دافع الضرائب الأميركي أعباء مغامرات تل أبيب التي لا تنتهي، بل طيش نتنياهو شخصياً، الذي لا يكفّ عن فتح الجبهات وتوسيع الأزمات في الشرق الأوسط، ولا يكفّ عن توريط أميركا والعبث بمصالحها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى