إعادة إنتاج المجتمع السوري خارج السياسة

مالك الحافظ

                                    

في وقت يغيب فيه أيّ حديث جدّي عن الانتخابات أو التحضير لها في سورية، تتقدّم السلطة الانتقالية بقرارات تمسّ الفضاء الثقافي والرمزي والإداري، وتعيد رسم بعض ملامح المجال العام، من دون أن تمرّ عبر مسار سياسي واضح يتيح مناقشتها أو الاعتراض عليها، وهو ما ينقل النقاش من مضمون القرار إلى غياب الإطار الذي يمنحه شرعيته. لا يتّصل هذا النقاش بالمواقف الفردية من المشروبات الكحولية أو أنماط اللباس في أيّ بلد كان، سواء في سورية أو غيرها، فهي مسائل تدخل في نطاق الحرية الشخصية، إنما يتّصل بالطريقة التي تُعاد بها صياغة ما يُقدَّم على أنه مقبول في المجال العام السوري، ومن يملك حقّ تحديده. فالقرار الذي يقضي بمنع تقديم الكحول داخل المطاعم والملاهي في العاصمة، مع الإبقاء على بيعها بشكل محدود ومغلق، رافقه خطاب رسمي يربطه بما سُمّيت “الآداب العامّة” و”الشكاوى المجتمعية”. وفي المدى الزمني نفسه، ظهرت في صحيفة حكومية مادّةٌ مصوّرةٌ تُظهر موظّفةً بالنقاب ضمن سياق مهني، في الوقت الذي أُعلن فيه تأسيس معهد للشرطة النسائية مع تداول صور لمنتسبات منقّبات.

وتبدو المفارقة السورية اليوم أكثر تعقيداً من أن تُختزل في قرارات جزئية أو إجراءات إدارية متفرّقة، فالمسألة لم تعد تتعلّق بمضمون القرار بقدر ما تتعلّق بالبنية التي تُنتج هذه القرارات، وبالأساس الذي تستند إليه، ما يفتح فجوةً بين ما يُفترض أن تكون عليه السلطة الانتقالية وما تمارسه فعلياً على الأرض. ففي النظريات الكلاسيكية للشرعية السياسية، كما عند ماكس فيبر، تُبنى السلطة على تقليد راسخ، وكاريزما استثنائية، وقانون مؤسّسي حديث. غير أن الحالة السورية الراهنة تبدو وكأنّها تتحرّك خارج هذه التصنيفات، أو بالأحرى، تستعير أدوات السلطة القانونية من دون أن تستوفي شروطها، فالسلطة التي صاغت دستورها بنفسها، وحدّدت لنفسها وظيفةً انتقاليةً واضحة، تجد نفسها اليوم وقد انخرطت في إعادة تشكيل المجال العام من دون أن تُنجز مهمتها التأسيسية الأولى، إنتاج شرعية عبر التمثيل.

تتّصل المسألة في هذا السياق بالبنية التي تُنتج هذه التطوّرات أكثر من اتصالها بمضمونها، فحين تصدر القرارات في غياب مسار سياسي تمثيلي، تفقد إمكانية قياسها على القبول أو الرفض المجتمعي، وتتحرّك داخل فراغ سياسي يقيّد إمكان الاعتراض عليها. عموماً، لا تعمل الإحالة على “الآداب العامة” بوصفها توصيفاً محدّداً، إنما بوصفها مفهوماً مفتوحاً يُعاد استخدامه لتوسيع نطاق ما يمكن إدخاله تحته. ومع استمراره، يتحوّل إلى مرجعية ضمنية تُحدِّد المقبول داخل المجال العام. يتجاوز عمل هذه المفاهيم حدود التوصيف، ليدخل في إعادة تشكيل ما يمكن قوله ورؤيته وممارسته، فالمفهوم المفتوح يتحرّك أداةَ ضبط ناعمةً تعيد تنظيم الفضاء الرمزي، ومع هذا الاشتغال يتشكّل الامتثال عبر ترسيخ ما يبدو طبيعياً، فيما يُدفع ما يقع خارجه تدريجاً إلى الهامش.

يفترض الانتقال السياسي إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر إنتاج شروط التداول السياسي وفتح المجال العام

تظهر اللغة في هذا السياق عنصراً يشارك في إنتاج الواقع الاجتماعي، ومع تكرار هذا الاستخدام، تتحوّل هذه المفاهيم تدريجاً إلى مرجعيات ضمنية تصعب مساءلتها. وإلى جانب اللغة، تؤدّي الصورة دوراً حاسماً في هذا المسار، إذ يُقدَّم حضور نماذج نسائية منقّبة في الإعلام الرسمي وأجهزة الدولة جزءاً من مشهد اعتيادي، ومع تكراره يترسّخ معياراً، ويساهم في تحديد ما يُعدّ مناسباً للظهور داخل المجال الرسمي، وفي تثبيت نموذج بعينه في موقع الحضور المستقر. يكشف هذا التمثيل البصري آليةً تتجاوز عرض نموذج اجتماعي، وتمتدّ إلى إعادة تشكيل “الأفق الإدراكي” للمتلقّي، فالنموذج يترسّخ عبر حضوره المتكرّر ضمن نظام بصري مألوف، ما يمنح الاعتياد دوراً حاسماً في إنتاج الشرعية. ومع هذا التكرار، تتحوّل الصورة إلى وسيط معياري يعيد ضبط العلاقة بين الفرد والمجال العام.

يفترض الانتقال السياسي إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر إنتاج شروط التداول السياسي وفتح المجال العام. أمّا في سورية، فيتقدّم مسار مختلف، يتراجع فيه هذا الدور لصالح ممارسة القرار، مع تحوّل السلطة الانتقالية إلى فاعل يعيد تعريف المجتمع من دون تفويض. يترك هذا الانزياح آثاراً عميقة في بنية الحياة السياسية، فمع إغلاق المجال السياسي، وغياب الأحزاب، وتقييد النقاش العام، يتراجع موقع المجتمع داخل عملية إنتاج القرار، ويتحوّل إلى موقع يتلقّى نتائجه. في هذا السياق، تتعطّل وظيفةٌ أساسيةٌ في السياسة الحديثة تتّصل بتحويل التعدّد الاجتماعي إلى تمثيل سياسي، ويظهر التنوّع السوري، بما يحمله من اختلافات اجتماعية وفكرية، خارج أيّ إطار يسمح بتجسيده داخل المجال العام، رغم أنه الأساس الذي تقوم عليه إمكانات أيّ نظام ديمقراطي.

في هذا الإطار، يأخذ غياب أيّ مسار فعلي نحو الانتخابات بعداً يتجاوز التأخير الإداري، ويمتدّ إلى تعطيل بنية الشرعية نفسها. فقد حدّدت السلطة الانتقالية إطاراً زمنياً يمتدّ لأربع أو لخمس سنوات للوصول إلى انتخابات عامة، غير أنّ مرور عامَين من دون أيّ مؤشّرات عملية على التحضير لها يضع هذا الإطار في حالة تعليق فعلي. ضمن هذا المسار، تبقى القرارات، بغضّ النظر عن مضمونها، معلّقةً من حيث الشرعية، مع غياب المسار الذي يُعاد عبره إنتاج العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ما يتكشّف في سورية اليوم يتخذ شكلَ مسار يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع خارج إطار التداول السياسي

يتجه المسار القائم إلى ما هو أعمق من إعادة ترتيب المجال العام، إذ يجري تحويله إلى مجالٍ مُدار معيارياً تُعاد داخله صياغة شروط الفهم والسلوك معاً. هنا، تتقدّم السلطة داخل البنية الإدراكية للمجتمع عبر إنتاج قوالب معيارية تُقدَّم تدريجاً جزءاً من الحياة اليومية، ومع تراكم هذه العملية، يدخل المجتمع في إعادة إنتاج الحدود التي أُعيد رسمها، ويصبح الامتثال نتيجةً لاندماج هذه القوالب في ما يبدو طبيعياً ومألوفاً. بينما تُستخدم الإحالة إلى “الشكاوى المجتمعية” لإضفاء طابع تمثيلي على القرار، رغم غياب مؤشّرات واضحة على طبيعة هذا الطلب أو حجمه، ما يسمح بإدخاله ضمن إطار يبدو منسجماً مع المجتمع. كذلك تظهر مفارقة واضحة في الخطاب، إذ يُقدَّم القرار استجابةً لطلب اجتماعي، بينما تكشف طريقة صياغته دوراً في تشكيل هذا الطلب نفسه. ضمن هذا التداخل، تتشكّل علاقة دائرية بين التمثيل والإنتاج، ويصعب الفصل بين ما يُعدّ معطىً اجتماعياً وما يُصاغ خطاباً، في وقت يُعاد فيه تقديم المجتمع مرجعيةً، بالتوازي مع إعادة تشكيله داخل الإطار ذاته.

وانطلاقاً من هذا السياق، يظهر تموضع الخطاب السياسي على مستويَين متوازيَين، فيتخذ في المجال الدولي صيغةً مرنةً ومنفتحة، بينما تتقدّم داخلياً عملية إعادة تعريف المجال العام ضمن منظومة أكثر انضباطاً. إذ يكشف هذا التداخل اشتغالاً مزدوجاً يضبط التوقّعات الخارجية، ويدير إعادة ترتيب الداخل بإيقاع مختلف، تتكثّف فيه الممارسة المعيارية عبر أدوات تدريجية ومتراكمة.

ما يتكشّف في سورية اليوم يتخذ شكلَ مسار يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع خارج إطار التداول السياسي. ومع استمرار هذا المسار، يتحوّل النقاش من مضمون القرارات إلى حدود المجال العام نفسه، ومَن هي الجهة التي تملك حقّ تحديده. في حين تتحرّك السلطة منتِجاً للمعايير التي تنظّم المقبول داخل الحياة اليومية، في غياب أيّ مسار يربط هذا الإنتاج بإرادة اجتماعية قابلة للتعبير والاعتراض، ما يكشف تشكّل نمط حكم معياري يعيد إنتاج المجتمع خارج السياسة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى