
في دورة “تطوير الكتابة الأدبية” جلستُ بين كتّابٍ ناشئين يبدون كأنهم وُلدوا وفي أفواههم فهارس ومراجع. سألتني إحداهن — تلك الحسناء التي لم تلد النساء مثلها قط — وكانت بَضّةً كما لو أن الغيم اختار أن يستقر في وجنتيها. بشرتها لا تُرى بل تُظنّ ظنا، بياضها ليس أبيض عاديا، بل أبيضٌ، كأنها مشروع إضاءة لا وجها. عيناها واسعتان، لا من الدهشة بل من الثقة، نظرة تعرف طريقها إلى القلب دون أن تستأذن. وحين تبتسم، تتوزع على شفتيها وردية خفيفة، كأن الدم تدرّب طويلا ليظهر في تلك اللحظة فقط. شعرها مسدول بعناية لا تبدو مصطنعة، كثيف كحاشية كتاب قديم، وناعم كأن أحدا يعتني به أكثر مما يعتني بتاريخ المنطقة ، أما صوتها — فصوتها يشبه مذيعات نشرات منتصف الليل عندما تسقط الحكومة : من أين جئت بهذه الثقافة؟ قلتُ لها: يا سيدتي، لو سألتِني عن عمري الحقيقي لهان الأمر، أما أن تسألي عن مصادر معرفتي فهذا تحقيق قضائي! ابتسمت بثقة من يملك مكتبة ورقية وإلكترونية ونسخة احتياطية في السحاب.
قالت: شوقتني لمعرفة الأسس التي بنيت عليها ثقافتك. قلت: تعالي نشرب القهوة مع الفيكا، وأقصّ عليكِ سيرة مؤسسة ثقافية اسمها “أنا”. وأعوذ بالرحمن من كلمة “أنا” . بدأتُ دراستي في مدرسة تُدعى “مدرسة الكاصر”. سُميت كذلك لأن صاحب البيت كان قصير القامة، لا لأن المناهج كانت مختصرة. غرفتان فقط: واحدة للطلاب، والثانية لبعير أجرب كان أكثر انتظاما منا في الدوام.
كنا إذا تأخر المعلم، يرغي البعير نيابةً عنه. وإذا صدر قرار تربوي جديد، حكّ البعير جلده بالجدار احتجاجا. أما الكتب فكانت تصلنا بعد معارك لوجستية أعقد من حرب البسوس. طباعتها رديئة إلى حد أن الصورة تبدو كأنها شاهد عيان رفض الإدلاء بشهادته.
كنا نقرأ الدرس، ثم نختلف: هل هذه خريطة الوطن أم بقعة حبر؟ في الإعدادية في الخفسة اكتشفت أنني أحب الرياضيات. الرياضيات لا تطلب منك أن تحفظ أقوال الفلاسفة،
بل أن تثبت أن “س” ليست ابن عم “ص”. كنت أعشقها لأنها عادلة. إذا أخطأتَ ، قالت لك: أنت مخطئ. لا تقول لك: رأيك محترم.
وأحببت الكيمياء أيضا. فكرة أن عنصرين يتفاعلان فينتجان مادة ثالثة جعلتني أفهم السياسة مبكرا.
أما الورق الذي كنت أكتب عليه فحكايته تستحق وزارة ثقافة. بعد بناء سد الفرات غمرت المياه محطة قديمة، وبنوا محطة جديدة اسمها “المأخذ”. واستوردوا بواري ضخمة سوداء، طول الواحد خمسة أمتار، قطره متر تقريبا، مكدسة فوق بعضها كأنها تنتظر ثورة.
قررتُ أن أحوّلها إلى دفاتر. كنت أصعد فوقها، أكتب المعادلات بالطباشير المستخرج من الحوار المتناثر حولها. لا وزارة م، لا دفاتر مسطرة،
أنبوب ماء أسود صار جامعة مفتوحة. تحوّل لون البواري إلى أبيض من كثرة ما كتبتُ عليها. أظن لو مرّ مهندس لظنّها أنابيب فلسفية لا مائية.
دخلت كلية العلوم، قسم الرياضيات. وهناك وقعت في خصومة شخصية مع الحج “إبسلون”. أصرّ أن يبقى لا يساوي الصفر. وأصررتُ أنا أن يتواضع قليلا. دام الخلاف بيننا فصلا دراسيا. وفي النهاية تركته يعيش حياته غير مساويا لأي شيء، وهربتُ إلى الأدب الإنكليزي. من المعادلات إلى الاستعارات.
من “إذا كان” إلى “ربما”.
وحين أردتُ فهم مسرحية أو مصطلح، ذهبتُ إلى مكتبة الجامعة، فوجدتُ نفسي أمام Encyclopedia Britannica جالسة على الرف كإمبراطورة متقاعدة. فتحتُها. كل جملة أطول من نهر، وكل تعريف يحتاج إلى تعريف. أخرج منها كما يخرج عامل منجم بعد وردية ليلية.
ثم أذهب إلى المكتبة الوطنية في حلب، أفتش في البطاقات الورقية كمن يبحث عن اسمه في قوائم الناجين. لم يكن هناك إنترنت يسعفني، ولا محرك بحث يقترح: “هل تقصد؟” كنتُ أقصد، ولا أحد يساعدني. واصلت الحفر المعرفي حتى صار عندي مكتبة أفتخر بها. كتبٌ في الأدب، الفلسفة، النقد، الصحافة. ثم جاء المعفشون.
لم يقرأوا شكسبير، ولم يختلفوا مع إبسلون، لكنهم اتفقوا على إحراق مكتبتي.
في دقائق تحولت ثقافتي إلى رماد. وبقيتُ أنا، بلا كتب، لكن برأس مزدحم أكثر من ذي قبل.
أنهيتُ القصة.
أغمضت الحسناء عينيها. تنهدت كما لو أنها استمعت إلى اعتراف تاريخي.
قالت: هل تسمح لي أن آخذ “كرام”… أن أعانقك نظرتُ إليها وقلت في سري: كل هذا الشقاء، كل هذه البواري، كل تلك الموسوعات، وكل هذا الرماد… ليتحول في النهاية إلى عناق؟
قلت لها: سيدتي، أنا رجلٌ تعلّم على أنابيب الماء، وصارع إبسلون، ونجا من الحريق. العناق عندي ليس مسألة عاطفية… إنه إعادة إعمار.






