هرطقات “النبوءات”… رسم خرائط النفوذ الإقليمي

سامة أبو ارشيد

ضجّ الإعلام الأميركي والعربي على السواء بتصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الأسبوع الماضي، وتحديداً في ما يتعلق بأن لإسرائيل حقّاً إلهياً في الأرض التي تمتدّ ما بين نهرَي الفرات والنيل، وهي منطقة تشمل لبنان وسورية وفلسطين والأردن وأجزاء من السعودية ومصر. وقال هاكابي، في المقابلة التي أجراها معه الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، “لا بأس لو أخذوها (إسرائيل) كلّها”، مدّعياً أن الحدود الجغرافية لإسرائيل محدّدة في الكتاب المقدّس، وهو اعتقاد يتشاركه المسيحيون الصهاينة وغالبية تيار الإنجيليين (Evangelicals). ورغم أن هاكابي حاول لاحقاً التخفيف من حدّة تصريحاته بعد إدانات عربية وإسلامية واسعة، واصفاً إياها بأنها “مبالغٌ فيها إلى حدٍّ ما”، ومضيفاً أن إسرائيل لا تسعى إلى التوسّع، لكنّها تملك الحقّ بالأمن داخل حدودها، لا يلغي ذلك حقيقة موقفه ولا موقف الإنجيليين في الولايات المتحدة الذين يناهزون 90 مليون إنسان. ولا يسعى هذا المقال إلى تقديم شرح وتفصيل موسّع للتيار الإنجيلي وقناعاته العقدية ومصادرها ولحجم تأثيره داخل الولايات المتحدة، وإنما سيكتفي بخطوط عامة خلفيةً مهمّةً لإدراك خطورة مثل هذه التصريحات وخطورة شخصيات مثل هاكابي والتيار الذي يمثله أميركياً.
لا ينبع دعم الإنجيليين لإسرائيل من حبٍّ خالص لليهود، بل من دورٍ وظيفيٍّ يرونه لهم لاستدعاء “نهاية الزمان”
بداية، هاكابي هذا الذي عيّنه دونالد ترامب سفيراً لدى إسرائيل في القدس المحتلة كان حاكم ولاية أركنساس (1996 – 2007)، وكان قد ترشّح مرَّتَين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية (2008 و2016)، لكنّه لم يفز بترشيح الحزب في أيٍّ منها، كما أنه عمل مقدّم برامج في قناة فوكس نيوز اليمينية المتشدّدة. والأهم من هذا كلّه في خلفية هاكابي أنه كان قسّاً داخل الطائفة المعمدانية الجنوبية (Southern Baptist Pastor) قبل أن يصبح حاكماً لولاية أركنساس، وهو يمتلك قاعدةً جماهيريةً ضخمة بين الإنجيليين المحافظين في الولايات المتحدة. ويُعدُّ هاكابي أحد أبرز الأصوات الداعمة للصهيونية المسيحية، وهي حركة تؤمن بأن دعم إسرائيل واجب ديني يمهّد لعودة المسيح عليه السلام. وكان هاكابي قد بعث رسالةً إلى ترامب في يونيو/ حزيران 2025، في خضمّ عدوان إسرائيل على إيران، حاضّاً إياه ضمناً على الانضمام إلى إسرائيل في عدوانها، وقد أعاد ترامب نشر رسالته تلك في “تروث سوشال” قائلاً: “هذه الرسالة من مايك هاكابي، قسّيس، وسياسي، وسفير، وشخص رائع”. وأرفق ترامب صورة من الرسالة التي جاء فيها: “هناك أصوات عديدة تتحدّث إليك يا سيّدي، لكن هناك صوت واحد فقط يهم: صوته (الله)”. وتابع قائلاً: “لم يكن هناك رئيس في حياتي في وضع مماثل لوضعك. ليس منذ (هاري) ترومان عام 1945. أنا لا أتواصل لأقنعك، بل لأشجّعك فقط”. مضيفاً: “أؤمن أنك ستسمع صوتاً من السماء، وذلك الصوت أهم بكثير من صوتي أو صوت أيّ أحد آخر”. بعد خمسة أيام فقط من نشر ترامب رسالة هاكابي، كانت الطائرات والصواريخ الأميركية تدكّ مواقع نووية وعسكرية في إيران إلى جانب إسرائيل.
نعود إلى التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة وعلاقاته ومقاربته لإسرائيل، ولكن من زاوية ضيّقة حتى لا نغرق كثيراً في خلفيات تاريخية وعقدية لا يتّسع لها مثل هذا المقال. لا ينبع دعم الإنجيليين لإسرائيل من حبٍّ خالص لليهود، بل من دورٍ وظيفيٍّ يرونه لهم لاستدعاء “نهاية الزمان”، بل فرض النزول الثاني للمسيح، إن لم يكن إرغامه على ذلك. ومن ثمَّ يريد الإنجيليون أن ينتقل اليهود كلّهم إلى فلسطين، التي يعتقدون أن الله منحها لهم، لتهيئة الظروف لمعركة “نهاية الزمان” أو “هرمجدون” وعودة المسيح. ويعتقد الإنجيليون، استناداً إلى تفسيرهم لسفر التكوين، أن الله يبارك من يبارك إسرائيل، ويلعن من يلعنها، ومن ثمَّ فإنه إذا لم “تبارك” الولايات المتحدة إسرائيل وتقدّم لها دعماً غير مشروط، فإن الله سيعاقبها. لكن، “مباركة” إسرائيل مسألة ذرائعية عند الإنجيليين لا مبدئية خالصة، وهي لا تعني أبداً مباركة اليهود إلا إلى حين ولتحقيق غاية دنيئة عملياً. بحسب هذا الاعتقاد، فإن وجود اليهود في فلسطين ينبغي أن يتبعه بناء “الهيكل الثالث” بجوار حائط البراق في المسجد الأقصى المبارك، وهو الأمر الذي يتطلّب هدم قبّة الصخرة، وربّما المسجد الأقصى نفسه، ما سيقود إلى حرب كبرى تفضي إلى معركة هرمجدون. ولكن ماذا سيترتب على معركة هرمجدون؟
مايك هاكابي من المهووسين باستدعاء “نهاية الزمان” وفرض إرادتهم على المسيح عليه السلام إذا “تلكّأ” في النزول ليجسّد أوهامهم
ببساطة، سينزل المسيح عليه السلام إلى الأرض ويحكم العالم “من جبل الهيكل” في القدس، أي من المسجد الأقصى، وحينها، وبعد هزيمة أعداء “بني إسرائيل” وإبادتهم، سيأتي الدور عليهم هم أنفسهم، إذ سيخيّرون، بحسب تفسير الإنجيليين لسفر الرؤيا، بين تصحيح خطئهم التاريخي برفض اتباع المسيح في المرّة الأولى وبين القتل. بمعنى آخر، فإن الفلسطينيين واليهود، بحسب هذا الاعتقاد، مجرّد “أضرار جانبية” في سبيل تحقيق تلك الأوهام. ولا تتردّد بعض التيارات الإنجيلية بالمجاهرة بإيمانها أن مرحلة معركة هرمجدون الدموية ستشهد “فترة اضطهاد شديدة” أو ما يعرف بـ”الضيقة” أو “المحنة” أو “الهولوكوست الثاني”، أي الإبادة، بحقّ اليهود تؤدّي إلى قتل ما يقرب من ثلثَيِ المتبقّين منهم في سياق ما يعرف باسم “مجزرة الثلثين” المستندة إلى فهمهم لسفر زكريا الذي يقول إنه “في تلك الأرض سيُباد ثلثا الشعب (اليهودي)، ويبقى الثلث”. أمّا شرط النجاة لهم، أي لليهود، فستكون بالتحوّل إلى المسيحية، ومع ذلك، تؤمن تلك التيارات الإنجيلية، أن 144 ألفاً منهم فقط سيتبعون المسيح، أمّا البقية فسيقتلون ضمن عملية “تطهير” عنيفة ودموية. تلكم هي بعض نبوءات المنظمة اللاهوتية لما يعرف بـ”التدبيرية ما قبل الألفية” (Dispensational Premillennialism) التي يؤمن بها كثيرون من الإنجيليين الأميركيين والصهاينة المسيحيون.
هذا الاعتقاد الصلب بمثل هذه النبوءات، أو قل الهرطقات، هو ما دفع قسّاً إنجيلياً شهيراً، هو الراحل بات روبنسون، مؤسّس شبكة البثّ المسيحية (Christian Broadcasting Network) إلى الاحتفاء باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين على يد متطرف يهوديٍّ عام 1995 لأنه “تنازل” عن أجزاء من أرض إسرائيل في اتفاق أوسلو عام 1993. ثمّ احتفى ثانية بإصابة رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون بجلطة دماغية حادّة عام 2006 على أساس أنها عقاب من الله لأنّه “تخلّى” عن أراضٍ إسرائيلية بانسحابه من قطاع غزّة عام 2005. وأضاف روبنسون، “أقول الويل لأيّ رئيس وزراء إسرائيلي يسلك المسار نفسه” عبر “تقسيم أرض الله” بما “يستجلب عداوة الله”.
قد يتساءل بعضٌ، إذا كان الحال كذلك، فلماذا تتحالف إسرائيل مع التيار الإنجيلي؟ الإجابة بسيطة. هو تحالف براغماتي، فالصهاينة اليهود العلمانيون لا يؤمنون أصلاً بالنصوص “المقدّسة”، والمتدينون اليهود لديهم مرجعية توراتية مختلفة، ومن ثم هُم يخدمون مشروعهم عبر الدعم اللامحدود الذي يقدّمه هؤلاء الإنجيليون للدولة العبرية، وتأثيرهم في التوجّهات الرسمية للولايات المتحدة، خصوصاً تحت الإدارات الجمهورية لدعم إسرائيل بشكل مطلق. مايك هاكابي واحد من هؤلاء المهووسين باستدعاء “نهاية الزمان” وفرض إرادتهم على المسيح عليه السلام إذا “تلكّأ” في النزول ليجسّد أوهامهم وأيديولوجياتهم الإبادية. حتى ذلك الحين، بالنسبة إليهم ينبغي أن يبقى الفلسطينيون والعرب والمسلمون يبادون حتى تقوم هرمجدون.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى