من سيادة القانون إلى استقرار الدولة: لماذا تعد العدالة الانتقالية صمام الأمان الوحيد؟

د- أمين صعب

​نقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن نرسخ مفهوم “دولة المؤسسات” التي يحتكم فيها الجميع لسيادة القانون، أو أن ننزلق نحو “فوضى الفردانية” التي تقتات على الثأر والانفلات الأمني. إنَّ ما نشهده اليوم من مؤشرات على تفكك الضبط الأمني، تحت مسميات “تصفية الحسابات” أو طرد ومحاسبة رموز المرحلة السابقة، ليس دليلاً على التعافي، بل هو إنذار مبكر بتآكل الدولة من الداخل.

​إنَّ الغضب الشعبي مشروع ومبرر، والعدالة هي المطلب الأساسي الذي قامت عليه طموحاتنا، ولكنَّ الفرق الجوهري بين “العدالة” وبين “الفوضى” يكمن في الآلية. العدالة فعل مؤسساتي مدروس، يُوثق، يُحاكم، ويُعاقب وفق نصوص قانونية؛ أما الفوضى فهي فعلٌ غريزي يفتح الباب أمام قوى التخريب لضرب مسار بناء الدولة الجديدة في مهدها.

​إنَّ الحل يكمن في ثلاثة محاور لا تقبل التأجيل:

١- ​تبني مسار العدالة الانتقالية الفوري: إنَّ التسويف في إقرار إطار قانوني للعدالة الانتقالية هو وقود للفتنة. يجب على “مجلس الشعب” والمؤسسات الحقوقية البدء فوراً في صياغة قوانين تضمن المحاسبة الشفافة، بعيداً عن التشفي، وبما يحفظ حق الضحايا ويضمن عدم تكرار الانتهاكات.

٢- ​حصر السلاح والقرار الأمني: لا يمكن قيام دولة بوجود أطراف متعددة تمارس “العدالة الخاصة”. يجب أن تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة لحفظ الأمن، وتطبيق القانون، ومحاسبة المجرمين عبر القضاء المستقل. أي خروج عن هذا المسار هو استهداف مباشر لمستقبلنا جميعاً.

٣- ​دور النخب في توجيه الشارع: تقع على عاتقنا—نحن النخب في مختلف الميادين—مسؤولية التوعية بأنَّ الفوضى لا تميز بين بريء ومذنب، وأنَّ المستفيد الوحيد من تدمير النسيج الاجتماعي هو من لا يريد للبلاد أن تستقر. يجب أن يكون صوتنا حاضراً في الضغط باتجاه تفعيل القضاء وتجريم الانفلات الأمني.

​إنَّ سورية التي نحلم بها لا تُبنى بـ “الدم” أو بـ “الانتقام”، بل تُبنى بـ “الحق” و”القانون”. إنَّ العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل هي الضمانة الوحيدة لنزع فتيل الاحتقان ومنع انزلاق البلاد نحو دوامة لا ترحم أحداً.

​آن الأوان لنتوقف عن الاحتكام للغريزة، ولنبدأ الاحتكام للقانون؛ فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من فوضى الثأر، ستعجز حتماً عن حمايتهم من الانهيار الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى