خطّة شاملة لمكافحة المخدرات… ماذا عن المستهلك؟

يقظان التقي

منذ أطلق الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، مصطلح “الحرب على المخدرات” في عام 1973، لم تتوقف هذه الحرب، أو المعركة على”الآفة”، أو”ترسانة الإرث المسموم” في توسع المصطلحات، التي يستخدمها اليوم دونالد ترامب بعد الانتشار العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، وتدمير القوارب المشتبه بها في نقل المخدّرات، أو عبر التدخل العسكري المباشر في فنزويلا. لكن الحرب على تجارة المخدرات لم تنته بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو في وضع دول وجماعات على منصّة عقوبات الخزانة الأميركية، أو باكتشاف شبكات التهريب العالمية، ومنها أخيراً شبكة كولومبيين يعملون لصالح تجار المخدرات في منطقة ليون، يتنافسون على نقاط بيع المخدّرات في العالم، فالحرب تنجح لا تنجح، حين تقول الأرقام ذلك.
لقد تضاعفت المساحات المزروعة مرّات كثيرة، ولم ينتج العالم مثل هذا القدر من الكوكايين (ضبط أكثر من 889 طناً في كولومبيا وحدها العام 2024)، ولم تستهلك دول عديدة مثل هذا القدر من المواد كما حصل في السنوات الأخيرة؛ لذلك فالطريق إلى القضاء على المخزونات والفوضى مشكلة طويلة. بالإمكان محاربة التهريب والتركيز على الموضوع الأمني، لكنّ الشباب في العالم ما داموا لا يرون مستقبلاً فلن يستطيعوا النجاة.
تشير التقديرات إلى سوق تجارية كبيرة تولّدت مع الكوكايين والتهرّب الجمركي وغسل الأموال بمئات المليارات من الدولارات سنوياً. وتشكل نسبة تقديرية ما بين 2% إلى 3% من الناتج الاجمالي العالمي. ويزداد عدد مستخدمي المخدّرات عالمياً، (316 مليون شخص العام 2023، أي حوالى 6% من سكان العالم)، ما يفيد بأن السوق تنمو في جهة الطلب (236 طناً سنوياً)، ويمكن أن تصل أرباحها إلى ما بين ثلاثة إلى خمسة تريليونات دولار سنوياً. وتشمل الأسواق المستهدفة دولاً في الأميركيتَين وشمال أفريقيا وأوروبا والخليج وأسواق في جنوب شرق آسيا وأستراليا وكندا. وهي تجارة تتمتّع بقدرات كبيرة لوجستية وتمويلية، وتستخدم في شراء ولاءات، وشراء أسلحة، ومشروعات تبيض أموال.
مع ذلك، لا يجري ذكر مبدأ المسؤولية المشتركة من أجل خطة شاملة لمكافحة المخدّرات، ويرغب كثيرون في رؤية الدول المستوردة تكافح استهلاك المخدرات على نحوٍ أكثر فعالية. إنها تتحرّك، أحياناً متأخرة، وأحياناً على نحوٍ غير مناسب من خلال إعلانات بلا نتائج مستديمة.
بالإمكان محاربة التهريب والتركيز على الموضوع الأمني، لكنّ الشباب في العالم ما داموا لا يرون مستقبلاً فلن يستطيعوا النجاة
لا تنبع المشكلة من منطقة الكاريبي فحسب (حوالى 5% من الكوكايين المستهلك في العالم). ويعتبر الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو، أنّ “الحرب على المخدرات في فشل”. بالنسبة له، تكمن جذور المشكلة في الحظ الذي يساهم في إثراء المهرّبين. لذلك؛ يرغب بيترو في أن يفكر المجتمع الدولي في تقنين الكوكايين، وإنشاء أكاديمية إقليمية في الدومينيكان لتدريب الوكلاء المحليين، واقتراح نظام عقوبات أميركي/ أوروبي آخر ضد المهرّبين والمجرمين.
على خطٍ آخر، تزدهر الموارد في السيطرة على الأحياء في مرسيليا، حيث تجنيد الأيدي الصغيرة، والقتلة المأجورون، ومسارات غسيل الأموال المعقدة، وفساد المحققين والقضاة، والتجار الذين يظهرون طموحاً سياسيّاً، ومحاولات إسكات المعارضين (مهدي كيساكي)، إذ يجري التشكيك في دولة القانون وحرية التعبير، ويصل 11 قاضياً جديداً لتحقيق لتفكيك الشبكات في الاتصالات التي ازدهرت من بوغوتا إلى الإمارات. هل ستكفي هذه الجهود في مواجهة شبكات تحقّق نحو ستة مليارات يورو، ولديها الوقت والعنف. على الأرجح لا. خصوصاً أن ردّ الدولة أمني بحت، يتجاهل الدرس الآخر الاجتماعي والصحي، وتجري إدانة الاتّجار بقدر ما تجري إدانة التهميش في الضواحي الفقيرة.
سجّل لبنان تحولاً على المستويَين الأمني والسياسي ضد “الكبتاغون”، وهي ليست مجرّد معركة أمنية تشمل ضبط الدولة الحدود مع سورية، أو منع التهريب، بل تدخل في محاولة فك الارتباط بين تجارة المخدرات وسلاح حزب الله والنظام السوري السابق (عائدات تقارب عشرة مليارات دولار سنوياً، ذهب 2.4 مليار منها إلى جيوب بشّار الأسد وعائلته).
يبدو الصراع ضد المخدّرات أخطر من الصراع ضد الإرهاب، حين تغزو المادة البيوت والشوارع والجامعات
طرائق إبداع المهربين في حجم القصص، وخطوط تهريب واسعة تمتد ٳلى جنوب شرق آسيا وشمال أفريقيا وطرق برّية تصل الخليج وتركيا والأردن والعراق، وممرّات بحرية متوسطية. ويدل ذلك على أنها تحوّلت من تجارة ممنوعة إلى اقتصادٍ موازٍ يغذّي أطرافاً مختلفة من المنتجين (نوح زعيتر من أخطر بارونات المخدّرات في لبنان الذين ألقي القبض عليهم)، وكجزء من مشروع أكبر لتجارة معقّدة تمتد من جبال الأيديز ٳلى سواحل المتوسّط، وتشمل أنشطة أخرى كتجارة الأسلحة والمقامرات في الكازينوهات وتجارة الغذاء.
يبدو الصراع ضد المخدّرات أخطر من الصراع ضد الإرهاب، حين تغزو المادة البيوت والشوارع والجامعات، وتتركز الثروة في أيدي مجموعة صغيرة من أباطرة المادّة في زمن الأزمات المالية والاقتصادية، ما يستدعي حلولاً وتحالفات إقليمية ودولية والمكافحة المشتركة في ضبط الشحنات. ودخلت وزارة الخزانة الأميركية على خط هذه الحرب، بفرض إجراءات على تحرّكات الأموال، ومن خلال فرض التنسيق الإقليمي وتبادل المعلومات عبر منظمة الإنتربول الدولية. ما يعني أن المسألة لم تعد شأناً أمنياً واستجابة لضغوط من المجتمعات المحلية (إدمان، تلوّث بيئي، اندماج في مجتمعات التصنيع، انحلال اجتماعي، أداة تمويل سياسي)، بل هي شأن إقليمي يستخدم في صراعات الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
الحلول المستدامة تكون في مجتمعات مستقرّة وديمقراطية، وما يمليه القانون بحيث تُحترم الحقوق الأساسية ويكافح الفساد
قد تكون الركيزة الأخرى الرئيسية في هذه المكافحة في المستهلكين. ليس من المهمّشين أو البورجوازيين وسط المدن فحسب، بل الجميع من المستفيدين، والنواب، والنوادل، والعاطلين عن العمل، والناس العاديين المتألمين، والصيادين. والاستهلاك يعني الدعم والمسؤولية والمأساة. ويجب النظر إلى هؤلاء من دون تساهل أيضاً. في 2023، استهلك مليون فرنسي على الأقل الكوكايين مرّة واحدة، وخمسة ملايين استهلكوا القنّب. في أميركا الأرقام أكبر بكثير. إذا كنت تستهلك، فأنت تدعم، كما هي حالة إخفاء الاستخدامات وإسكات الصعوبات وتأخير اللجوء إلى العلاج، والأخطر وجود منظومة حماية سياسية وأمنية داخل الدول نفسها تتداخل مع سلسلة أحداث إقليمية ودولية (استخدمت تجارة الكبتاغون وسيلة ضغط لإدماج النظام السوري السابق في العالم العربي وعلى الساحة الدولية من خلال عروض تخفيضات الإنتاج!)
يجب النظر بدقّة إلى من يستهلك ماذا، ولماذا، ومع أي عواقب، فردية وجماعية. من دون تهاون أو تصوير ساخر لترامب في وضعه سياسة شاملة، ولا يعرف إذا كان يريد ذلك حقاً؟ كأن تكون مجرّد إجراءات مرحلية. ولا تكتمل الحرب على المخدرات في مزيد من المداهمات والقبضات الأمنية فحسب، بل في تخفيف مصادر التمويل، وإعداد بدائل اقتصادية وخطط منسّقة، وتنظيم واضح وتأمين البنية التحتية، وتأهيل المناطق اجتماعيّاً لتجفيف منابع الاتّجار. يجب استعادة الأحياء في العالم اجتماعياً لتجفيف مستنقع التجارة، فالحلول المستدامة تكون في مجتمعات مستقرّة وديمقراطية، وما يمليه القانون بحيث تُحترم الحقوق الأساسية ويكافح الفساد، وتُوفّر فرص عمل حقيقية، وتُقرَّ المساواة الاجتماعية والاقتصادية. إضافة إلى ذلك، فإنّ إنهاء النزاعات والحروب، قد يقطع الطريق أمام استغلال الفوضى في المجتمعات المزدوجة لانتشار التجارة وانعدام الأمن والعنف والمعاناة. … مسألة إزالة العرض، توازي القضاء على الطلب، كما تحديد الثروات ذات المصدر غير المشروع ومصادرتها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى