
في ظل الانسحابات المعلنة للجيش السوري من بعض المناطق مثل الحسكة وخطوط التماس مع قسد بالتوازي مع الاكتفاء بدخول القوات الأمنية إلى المناطق التي تسيطر عليها الأخيرة، تغدو احتمالية عودة نموذج المربعات الأمنية التي كانت مطبقة بين قسد ونظام الأسد المخلوع كبيرة، ما يؤسس لبناء مركزية من شقين: إداري من جهة وأمني من جهة أخرى.
وبدأت قوّات الجيش السوري بالانسحاب من محيط مدينة الحسكة، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الدولة السورية و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد).
وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري في تصريح لوكالة الأنباء السورية “سانا” إن “قوى الأمن الداخلي انتشرت بالمناطق التي انسحب منها الجيش”، مشيرةً إلى أن “قسد تلتزم بتطبيق الاتّفاق مع الجيش، وتقوم بخطوات إيجابية”، موضحةً أنّها تقوم بالمراقبة، والتقييم لتحديد الخطوة التالية.
جيوب أمنية حكومية
وخلال حديث لموقع تلفزيون سوريا يشير الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب العاصي إلى وجود مخاوف من أن ينزلق الاتفاق الشامل بين الحكومة وقسد إلى نسخة معدّلة من نموذج المربعات الأمنية الذي كان مطبقاً بين “قسد” ونظام الأسد، إذا بقي هذا الاتفاق غامضاً، ودون سقف زمني أو مسار سياسي واضح.
ويشرح العاصي فكرة هذه المربعات بوجود مناطق سيطرة غير حكومية (في الحسكة وعين العرب) تخترقها جيوب أمنية حكومية، حتى وإن كانت هذه الجيوب متغيرة وغير ثابتة وربما بعضها غير دائم.
ويلفت العاصي إلى نقاط التشابه بين الاتفاق ونموذج المربعات الأمنية السابقة والتي تشمل التركيز على الترتيبات الأمنية التي تشوبها حالة من الغموض في التفاصيل التنفيذية، وسط تصريحات متباينة من “قسد” والحكومة بشأن آلية الاندماج ومدة بقاء القوات الأمنية ومهامها.
في المقابل، يرى العاصي أن️ هناك نقاط اختلاف بين الحالتين، لكنها لا تلغي التشابه، حيث لا توجد سيطرة أمنية مستقلة للحكومة داخل مربعات محددة في الحسكة أو عين العرب، وكذلك لا يوجد تسليم شامل وفوري للإدارة المدنية، بخلاف حالة المربعات الأمنية التي كانت تقوم على وجود سيطرة أمنية مستقلة، وغياب التنسيق الفعال والحقيقي والذي كانت تنوب عنه في معظم الأحيان الاتصالات عبر الوسطاء.
ويؤكد أنه ليس بالضرورة أن يحصل استنساخ للنموذج إنما محاولة من قسد لدفع الاتفاق ليكون مجرد ترتيبات أمنية وإشغال الحكومة بها لأجل الحفاظ على مكاسبها بما يتيح لها الحفاظ على وجودها الأمني والعسكري والإداري ضمن جميع مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة وعين العرب فتنقل بذلك مشروعها ليكون بغطاء حكومي بعدما خسرت غطاء التحالف الدولي وهذا النموذج القائم على إعادة إنتاج كيانها ضمن الدولة سيشكل صعوبة بالغة على الحكومة إذا ما أرادت تفكيكه مستقبلاً.
الاتجاه نحو لا مركزية أمنية وإدارية
من جانبه، يلاحظ المحلل السياسي درويش خليفة حالة الضبابية التي تسود الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد، وعدم وضوح التفاصيل التي تتضمنها، الأمر الذي يفتح المجال لكل طرف لتفسير الاتفاق من وجهة نظر مختلفة.
ويشير خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود احتمال كبير لعودة نموذج المربعات الأمنية السابقة في مناطق محددة لا تحوي كثافة كردية كبيرة سنشهد تمركزاً للحكومة السورية فيها، ما يؤدي إلى الانتقال من حالة اللامركزية الإدارية التي كانت تطلب بها قسد إلى لامركزية أمنية أيضاً.
ويلفت إلى أن المنطقة ستشهد سيناريو أمنياً يقوم على هذه اللامركزية، بالتوازي مع التعاون بين الطرفين لتوحيد الجهود والاندماج ضمن مركزيتين عسكرية وأمنية كسيناريو نهائي مرتقب، لكنه غير متاح حالياً نتيجة لغياب الثقة ببن الطرفين بينما المتاح هو العودة إلى المربعات الأمنية كإجراء واقعي وعملي.
ويرى أن حماية هذه اللامركزية ستكون على عاتق قوات الأسايش التي ستنخرط لاحقاً بقوات الأمن العام، ويتوقع أن يتم تعميم نموذج هذه اللامركزية في السويداء وفي كل المحافظات تقريباً، مع توسيع صلاحيات المحافظين، لأن لكل مجتمع سوري خصوصية تختلف عن خصوصية المكونات الأخرى.
وحول الموقف التركي مما يجري لأن أنقرة تعد الدولة الإقليمية المعنية بهذا الاتفاق، يرى خليفة أنها لن تقبل بأي نموذج سوى النموذج المركزي بحيث تسيطر الحكومة السورية أمنياً وعسكرياً على جميع المناطق التي تخضع لإدارة قسد، وعلى رأسها مدن الحسكة والقامشلي.
لكن في المقابل، يتوقع خليفة حصول قبول تركي مبدئي في المرحلة الراهنة بسبب وجود الضامن الأميركي، الذي لا يكتفي بهذا الدور بل يتجاوز إلى رسم الخرائط السورية وصياغة التفاهمات واللقاء مع الأطراف المختلفة.
هل هناك توافق إقليمي على مركزية سوريّة؟
المحلل السياسي عبد الله الحمد، يقدم قراءة مختلفة لآليات تنفيذ الاتفاق مع قسد، مستبعداً عودة نموذج المربعات الأمنية أو التوصل إلى نموذج لامركزية إدارية أو أمنية في بعض المناطق.
ويشير خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود توافق دولي وإقليمي على وصول الحكومة السورية والقوات النظامية إلى جميع الجغرافيا السورية.
ويلفت إلى أن الدول العربية وتركيا لا يمكن أن تسمح بمثل هذا النموذج لأنه يعني وجود جيشين في منطقة جغرافية واحدة تتربع على ثلاثة حدود دول وهي سوريا وتركيا والعراق.
واستناداً إلى ذلك، يؤكد الحمد أن السيناريو النهائي للاتفاق سيكون التوصل إلى نموذج مركزي شامل لكن بطريقة تدريجية، لأن كل أشكال اللامركزية والمحاصصة مرفوضة تماماً.
المصدر: تلفزيون سوريا






