
الكوارث الطبيعية امتحان عسير للدول والحكومات والمجتمعات، بالنظر إلى ما يصاحبها من أهوال وخسائر مادية وبشرية وتحدّيات اقتصادية واجتماعية، تستدعي، في معظم الأحيان، اتخاذ تدابير استثنائية ومستعجلة. ومنذ الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز (جنوب شرق المغرب) في 2023، بدأت السلطات المعنية في المغرب تدرك أهمية تعزيز قدراتها اللوجستية والتقنية من أجل مواجهةٍ أكثر فعاليةً للكوارث الطبيعية. وعلى الرغم من وجود آليات قانونية ومؤسّسية لتدبير مخاطر هذه الكوارث والحد من تداعياتها، من قبيل قانون إحداث ” نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية”، و”الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية (2021-2030)”، إلا أن ذلك لا يبدو كافيا أمام هشاشة البنية الاجتماعية وعجزها عن تحمل تكاليف هذه الكوارث، من دون السهو عما تبذله هذه السلطات من جهود محمودة في هذا الخصوص.
ضمن هذا السياق، شهدت مناطق واسعة في شمال غربي المغرب، في الأسبوعين الفائتين، فيضانات نتيجة تساقط كميات غير مسبوقة من الأمطار، أدّت إلى ارتفاع منسوب المياه في عدة سدود وأنهار، وفي مقدّمتها سد وادي المخازن، الذي تخطّت حقينتُه 160%، وهو ما بات يشكل تهديداً لمدينة القصر الكبير، التي اتخذت السلطاتُ قراراً بإخلائها من سكانها تجنّبا لما لا تُحمد عقباه، في ظل استمرار هطول الأمطار وتدفق السيول بما أصبح يتجاوز قدرة شبكات الصرف الصحي والمجاري المائية الحالية، وما يصاحب ذلك من خسائر مادية جسيمة، وبالأخص في القطاع الفلاحي.
تعيدُ فيضانات المغرب إلى الواجهة أسئلة الهشاشة وسياسات التعمير والعدالة المجالية والتفاوت في توزيع عوائد الاستثمار العمومي؛ كشفت هذه الفيضانات مخاطر التوسع العمراني غير المدروس، الذي لا يراعي حقائق الجغرافيا. وهو ما ينطبق على القصر الكبير، التي فضحت الفيضاناتُ عشوائيةَ التخطيط العمراني فيها، الذي لا يأخذ بالاعتبار قربها من حوض “اللُّوكوس”، بما يحيل عليه ذلك من فسادٍ وتسيُّبٍ مُستشرييْن في غير موقعٍ من مواقع تدبير الشأن العام المحلي. كشفت الفيضانات أيضا التفاوت بين مدن وحواضر تكاد تحوز كل شيء من بنى تحتية ومرافق وخدمات، وأخرى تفتقر إلى الحد الأدنى من ذلك، في تناقضٍ يكشف الأعطاب المزمنة للتنمية المغربية. وهو ما يعني أن تبنّي الحلول الجزئية في مواجهة الكوارث الطبيعية لم يعد مجديا، في ظل التحولات المناخية وانعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ هناك حاجة ماسة اليوم، إلى سياسات عمومية متكاملة، أقلّها تحديث شبكات الصرف الصحي ومجاري المياه وتعزيز قدرتها الاستيعابية وتوسيع مجاري الأودية والأنهار، بشكل يتناسب مع حجم الأمطار والسيول، مع التشدّد في منح رخص البناء في المناطق الفيضية.
من ناحية أخرى، تطرح الفيضانات دور المجتمع المدني في الحد من تداعياتها، وبالأخص فيما يتعلق بما يسمّى في الأدبيات ذات الصلة بـ”التشبيك”، لأهميته في تأهيل الجمعيات الأهلية وتنسيق مبادراتها وجهودها وتوزيعها في التدخل وإغاثة الفئات المتضرّرة والتخفيف من معاناتها. وإذا كانت بعض الجمعيات قد نشطت في تقديم المساعدات العاجلة إلى ساكنة “القصر الكبير”، بتوفيرها الإيواء والأفرشة والأغطية والتغذية والأدوية لمئات الأسر في مدن الجهة وبلداتها، إلا أن هناك جوانب أخرى تستدعي أكثر تنسيق المبادرات والجهود تحت إشراف السلطات المعنية، وترتبط تحديدا بتوسيع شبكة التضامن الشعبي والأهلي مع المتضررين، من خلال إشراك فاعلين آخرين في استقبالهم وإيوائِهم (الفنادق والمجمعات السياحية الموجودة في شواطئ الشمال)، وتقديم الدعم النفسي لهم، والمواكبة التربوية لآلاف التلاميذ المنحدرين من “القصر الكبير” والمناطق المتضررة، وتمكينهم من حقهم في متابعة دراستهم، في انتظار أن تنحسر الأمطار والسيول ويعودوا إلى ديارهم.
راكمت السلطات المعنية في المغرب خبرة لا يستهان بها في تدبير الكوارث الطبيعية. بيد أن ذلك، على أهميته، يستدعي إعادة بلورته في سياسة عمومية واضحة، تتكامل مع سياسات إعداد التراب الوطني والتعمير والتهيئة الحضرية ومخطّطات التنمية التي تراعي خرائط المخاطر الطبيعية، هذا إضافة إلى ضرورة توسيع الشراكة مع المجتمع المدني في إدارة هذه المخاطر توخّياً للنجاعة في التدخل.
المصدر: العربي الجديد






