
قبل أيام، خرج الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، ليعلن أن المنظمة الأممية في أزمة، وأنها بسبب ما تعيشه من ضائقة مالية وعجز غير مسبوق ستكون معرّضة للانهيار بحلول شهر يوليو/ تموز المقبل. هذا التصريح، على خطورته، لم يجد الاهتمام الكافي، وذلك يعود في نظر كاتب هذه السطور إلى عدّة أسباب، منها أن غوتيريس، وغيره من الموظّفين الأمميين، قد عُرفوا بمناشداتهم الروتينية للدول الأعضاء لتحمّل مسؤولياتها من أجل تثبيت الأمم المتحدة ومنحها القدرة الكافية على إدارة عملها وتسيير شؤونها، وهم يحذّرون في كل مرّة من تعرّض المنظمة للانهيار في حال أحجمت الدول الأعضاء عن تقديم السند المالي المطلوب. سبب آخر يعود لزهدٍ عند أغلب شعوب العالم حينما يتعلّق الأمر بالأمم المتحدة ووكالاتها؛ فبالنسبة إلى كثيرين، تبقى هذه المنظمة ووكالاتها الكثيرة المتخصّصة عاجزةً عن حلّ أهم أزمات العالم، فلا هي استطاعت أن توقف الحروب، ولا أن تعاقب المعتدين، ولا أن تنهي مآسي العالم من فقر وجوع ومرض، بل يقتصر الأمر في أحايين كثيرة على نداءات وتصريحات لفظية وتعبيرات بلاغية عن الرفض والقلق والتضامن.
منطق ترامب، صاحب سياسة الانعزال، هو أن الأمم المتحدة، التي أُنشئتْ برعاية بلاده ونتيجة لحماسة رئيسها آنذاك فرانكلين روزفلت، باتت بلا جدوى
للأهمية التي تشغلها الأمم المتحدة في عالم اليوم، يترسّخ شعورٌ داخليٌّ عند الجميع بأن العالم ودوله المؤثرة، حتى إن سمحت بأن يتسرّب الضعف إلى المنظمة، فإنهم لن يسمحوا بأن تتلاشى أو أن تنهار. إلا أن تصريح غوتيريس المرّة هذه مختلف، وله دلالات جديدة؛ فهو يذكّر بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحّة العالمية في سابقة فريدة من نوعها، كما يذكّر بوقف مساهماتها في منظمات كثيرة، وهي الدولة التي كانت تُعدُّ أهمَّ داعمي الوكالات الأممية. هذا يعني أنه، وفي حال لم تتدافع الدول لملء هذا الفراغ، فإن المنظمة التي كانت من أهم دعائم عالم ما بعد الحرب قد تتجه نحو الإفلاس.
الحقيقة أن الأمم المتحدة تعاني مشكلات كثيرة، فبالإضافة إلى مشكلاتها الداخلية التي تحدّث عنها موظّفون سابقون، كالخلل في طريقة العمل والتنفيذ، وكالغرق في الفساد المالي والأخلاقي، تبقى عاجزةً عن لعب دور في أهم أزمات العالم؛ فلا تكاد تجد لها صوتاً حينما يتعلّق الأمر بفلسطين وبقضيتها العادلة، ولا تجدها تقدّم مبادرات جادّة لحلّ الأزمة الأوكرانية التي أصبحت الدول تتحرّك لاحتوائها بشكل فردي أو في أطر موازية.
الأمر نفسه يتكرّر في المسألة الإيرانية وفي الحرب السودانية وفي أغلب التوتّرات الدولية التي لم تعد جنيف أو نيويورك بالضرورة المدينتين الأهم لمناقشة سبل الحلّ أو التسوية فيها. حتى قوات الحماية الأممية، أو ما يعرف بالقبّعات الزرقاء، يبدو نجاحها محدوداً جدّاً في المساعدة في استتباب الأمن أو في تأمين المنشآت وحماية المدنيين. أما على صعيد مواقف الدول الرسمية، فلا أحدَ يبدو راضياً عن طريقة عمل الأمم المتحدة؛ فدول العالم الثالث ترى أن المنظمة التي بُنيت وفق حسابات القوة في فترة ما بعد الحروب العالمية تتجاهلهم تماماً ولا تتعامل معهم بندّية، وإن كانت تعلن نظرياً أن كل الدول تحمل أصواتاً متساوية. أما دول الغرب، وغيرها من الدول الصاعدة ذات المكانة الجيوسياسية، التي تجد أنه غير مسموح لها بأن تكون عضواً دائماً في مجلس الأمن، فترى أن هذه القسمة ظالمة، كما تنتقد فكرة “حق النقض” (فيتو) الذي يُفسد أيَّ اقتراح، حتى إن كان بإجماع الدول كلّها. تطالب هذه الدول (ودول كثيرة غيرها مثل تركيا والهند وجنوب أفريقيا) بضرورة إجراء إصلاح يحقّق المساواة والعدالة، ويعطي الدول ما تستحقّ من مكانة.
… مع هذا كلّه، يفرض سؤال نفسه: ما البديل في حال سقوط المنظمة الأممية؟ الأعضاء الناقمون على المنظمة بسبب السيطرة الأميركية عليها من خلال الأموال والضغوط وحق النقض لن يكونوا سعداء إذا ما كان البديل من هذه المؤسّسات الأممية هو “مجلس السلام” الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب. “مجلس السلام”، الذي أُعلنت ولادته في منتدى دافوس أخيراً، والمرشّح لأن يجمع أعداداً أكبر من الأعضاء خلال الفترة المقبلة، لا يُنكر صاحبه أنه اخترعه من أجل أن ينفّذ مخطّطاته وأن يدافع عن مصالحه التي يرى أن الأمم المتحدة لم تستطع حمايتها. منطق ترامب، صاحب سياسة الانعزال، هو أن الأمم المتحدة، التي أُنشئتْ برعاية بلاده ونتيجة لحماسة رئيسها آنذاك فرانكلين روزفلت، باتت بلا جدوى، إلى جانب أنها تكلّف أكثر من اللازم.
لن يكون الناقمون على الأمم المتحدة سعداءَ إذا كان البديل منها “مجلس السلام” الذي يقوده ترامب
ما يقال عن احتمال انهيار الأمم المتحدة مبنيٌّ على خلو محفظتها الفعلي من المال الكافي لدفع احتياجات أساسية مثل رواتب العاملين، إذ تبلغ المبالغ المستحقّة على الدول الأعضاء 1.6 مليار دولار، ما يذكّر بالحقيقة التي تقول إنه صحيح أن الولايات المتحدة لم تعد متحمّسة للمساهمة، إلا أنها ليست وحدها في ذلك. نذكّر هنا على سبيل المثال بفرنسا التي خفّضت دعمها أخيراً لبرامج التنمية الدولية بمقدار النصف. ذلك كلّه أثّر في برامج المنظمات المختلفة التي تم إلغاء كثير منها، وفي الموظّفين الذين سُرّح الآلاف منهم بالفعل، فيما بقيت أعداد كبيرة وفق عقود مؤقّتة معرّضة للإلغاء في أيّ وقت.
بسبب عدم وجود بديل متفق عليه، يرى كثيرون أن فقدان الأمم المتحدة سيؤثّر سلبيّاً على الملايين، إذ تقوم المؤسّسات المالية بجهدٍ كثيرٍ لحماية الأرواح، كما أن منظمات مثل الصحّة العالمية تلعب أدواراً لا يمكن تجاهلها تخلق أطراً دوليةً للتعاون في مكافحة الأوبئة الدولية وفي محاصرة الأمراض. هذه الأمراض التي إن ظهرت في بقاع بعيدة، إلا أن بإمكانها أن تتحوّل جائحةً عالميةً بسبب حركة التواصل العالمي، وبسبب ما توفّره الحداثة الحالية من سهولة انتقال البشر بين القارات.
المصدر: العربي الجديد






