
مخاض عسير وطويل تتابع خطوة إثر خطوة، وكسرة بعد كسرة، واتفاقًا ثم تفاهمًا، ثم اتفاقًا آخر تبعته آليات تنفيذية، بين الحكومة السورية وتنظيم (قسد)، حتى جاء الاتفاق الأخير الذي انتظره السوريون كثيرًا، وأفضى إلى توافق وتفاهم، أحال المسألة السورية برمتها إلى مآلات ضرورية للوحدة والاندماج السوري، ورغم كل المعوقات والكثير من التحفظات، وبالرغم من وجود كل هذه الرؤوس الحامية والمتشنجة وأيضًا المتشددة داخل تكوين تنظيم (قسد) إلا أن المسارات التنفيذية الميدانية للاتفاق تشي بأن القضية بكليتها ذاهبة هذه المرة (وبعد إصدار المرسوم 13 من قبل رئيس الجمهورية أحمد الشرع) بحق نحو تطبيق الاتفاقات الموقعة بين دمشق و(قسد) وأن ما يمكن أن ينتج عن ذلك، هو دفن حقيقي للمشاريع التفتيتية التقسيمية التي اشتغل عليها طويلًا داخل الجغرافيا السورية.
وهذا الدفن سيكون إلى غير رجعة، وأن ما كان يسمى بالفيدرالية او اللامركزية السياسية كمشروع لشمال شرقي سوريا قد انتهى بمجمله، وأن المستقبل الحقيقي بات أمام السوريين وليس خلفهم، وأن كل ذلك، ومعه وإلى جواره وبين ظهرانيه مسائل سوريا أخرى، قد أصبحت بين يدي الممسكين بالعقلانية السياسية الواعية الرصينة، التي وعت متأخرة هذه المرة أن هناك الكثير من المياه قد جرت تحت الجسر، وليس هناك من عاقل أو قارئ للسياسات الأميركية في المنطقة العربية والشرق أوسطية، إلا ويدرك مدى التغيرات الكبرى التي حصلت بين ظهراني السياسة الاستراتيجية للإدارة الأميركية في تعاطيها مع متغيرات الواقع السوري وتفاعلاته، ومن ثم فإن هذه الاستراتيجيات الأميركية الجديدة للمنطقة، ومنها سوريا بالضرورة، باتت تنحو نحو عدم الثقة بكل المليشيات التي اعتُمِد عليها سابقًا إبان محاربة تنظيم (داعش) الإرهابي، حتى لو كانت بحجم ودور تنظيم (قسد) الوظيفي، وهي (أي الإدارة الأميركية) ما برحت متحركة ومقتنعة تمام القناعة من أن الدولة القوية مثل دولة وحكومة سوريا الجديدة، هي الأقدر والأكفأ في عملية مكافحة الإرهاب الداعشي، وهي الأجدر بالثقة الأميركية، التي توضحت لديها أخطاء مسارات الاعتماد على مليشيا وهي التي شابها الكثير من الخطل ، بينما تظل إمكانيات وتماسك وقدرة الدولة السورية على تنفيذ السياسات، وإنجاز وحدة الجغرافيا السورية هي الحالة الأكثر واقعية وميدانية في التنفيذ، ومستقبلية في الاستقرار أيضًا.
إن الاعتماد على الدولة السورية القوية الموحدة من الممكن أن يكون أكثر فائدة ليس للسوريين فحسب، بل أيضًا (وهو الأهم بالنسبة للأميركان) للسياسات الأميركية، وللمحيط الإقليمي، وغير ذلك، من الوارد جدًا أن يؤدي إلى مزيد من النتائج والآثار السلبية في المنطقة، التي لن يخرج منها سالمًا أي أحد.
لعله من الممكن جدًا أن يتم اعتراض طريق تنفيذ وتطبيق الاتفاق بين تنظيم (قسد) وحكومة دمشق بعض المعوقات التي لابد منها، وفق الظروف الحالية، الخارجة من أتون حروب وعسكريتاريا، وكذلك وجود بعض التشنجات العصبية خارج العقل السياسي، إلا أن المطلوب الآن هو أن يستفيد الجميع في سوريا بلا استثناء، من هذه التجربة التي جريت في شمال شرقي سوريا، وان يتعلموا الدروس منها، ومن ثم التحرك نحو الانتقال إلى أنساق من التفكير السياسي الأكثر واقعية وعقلانية، والأشد تمسكًا بوحدة سوريا، بعيدًا عن كل تلك المشاريع الانفصالية سيئة الصيت، وتوخيًا للعقلانية السياسية الواعية، المتكئة على مداميك بنيانية سورية صرفة وقوية، لأن الخارج الإسرائيلي الذي ما يزال ذاك المتربص المستمر بوحدة سوريا، والمشتغل على مسألة اللعب في الداخل السوري، تحت يافطة وادعاء حماية الأقليات في الواقع السوري، وبعد خروجه (منتصرًا) من حربه في قطاع غزة وكل حروبه العدوانية في المنطقة، وبالتالي إنفاذ رغباته في الضغط المستمر على حكومة دمشق، في محاولاته ممارسة الحرب وأوراق الضغط في المفاوضات مع السوريين، لن تستمر طويلًا مع وجود رغبة أميركية واضحة تمام الوضوح، وهي صريحة هذه المرة نحو إعادة إنتاج الواقع السوري، وفق رؤية مفادها يقول: إن الاعتماد على الدولة السورية القوية الموحدة من الممكن أن يكون أكثر فائدة ليس للسوريين فحسب، بل أيضًا (وهو الأهم بالنسبة للأميركان) للسياسات الأميركية، وللمحيط الإقليمي، وغير ذلك، من الوارد جدًا أن يؤدي إلى مزيد من النتائج والآثار السلبية في المنطقة، التي لن يخرج منها سالمًا أي أحد.
يبدو أن ورقة السويداء بدأت تتحرك نحو الحل ولا يمكن بقاء الوضع على حاله، وأي تفكير خارج السياق الوطني السوري الموحد، لن يكون له حاضنته الشعبية، ولا حياة له على مستوى المستقبل السوري.
لذلك فإن الخطوة القادمة سوريًا سوف تكون (حسب رؤيتي واستشرافي للمشهد السوري) إنهاء ملف الجنوب وعودة جبل العرب ومحافظة السويداء بقضها وقضيضها نحو دمشق، ومن ثم إهالة التراب فوق كل المشاريع التفتيتية الانفصالية، التي بدأت واقعيًا وعيانيًا تنهار بالتساوق والتوازي مع كل ما تم إنجازه في شمال شرقي سوريا، ومن المؤكد أن حكمت الهجري ومجموعته العسكرية، وكل أدواته، قد بدأت تتلمس رؤوسها الانفصالية، ثم تعيد التفكير بطريقة سياسية جديدة وأساليب أخرى، مستفيدة مما حصل من أجل سياقات متجددة للعمل السياسي، والتعاطي مع المتغيرات جميعها بطريقة أخرى وأكثر واقعية، في ظل استمرار الضغط الأميركي على رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتنياهو) نحو إنجاز اتفاق أمني ضروري وعاجل مع حكومة دمشق، سوف يؤدي بالضرورة حال إنجازه إلى رفع الغطاء عن حكمت الهجري وجماعته العسكرية، وسوف يجدون أنفسهم مثل ريشة في مهب الريح، ولا حل لهم سوى الاندماج في أتون وسياقات الدولة الوطنية السورية، والعودة الجدية نحو سوريا الواحدة الموحدة، التي كان أهل السويداء وجبل العرب في معظمهم وما زالوا ينتحون من معين الوطنية السورية الحقة، التي آمنوا بها وعملوا من أجلها عبر عقود متواصلة وسنوات طويلة ومديدة.
يبدو أن ورقة السويداء بدأت تتحرك نحو الحل ولا يمكن بقاء الوضع على حاله، وأي تفكير خارج السياق الوطني السوري الموحد، لن يكون له حاضنته الشعبية، ولا حياة له على مستوى المستقبل السوري، ومن ثم فإن من يلتحق بركب الوطن السوري الموحد سيكون أكثر عقلانية، بدلًا من أن يبقى منتظرًا الدعم الإسرائيلي حتى لحظاته الأخيرة .لان إسرائيل لها مصالحها، وهي ليست بعيدة عن الاستراتيجيات الأميركية في المنطقة، بل هي ضمنها وفي مساراتها دائمًا، ومن ينظر بعقلانية ووضوح، يدرك مدى أهمية الرؤية الأميركية لسوريا، والدعم الاميركي للدولة السورية الموحدة، وآثارها أصبحت واضحة، ونتائجها لا تخفى على أي عاقل.
المصدر: تلفزيون سوريا






