
مثلت صرخات (ودعوات) نساء غزّة العائدات إلى القطاع بعد إبعاد دام عامين “بأن لا يترك أحد غزّة ووطنه فلسطين”، وأن “لا كرامة حقيقية للإنسان إلا في وطنه”، عنواناً لفشل نتنياهو، وحكومة الاحتلال العنصرية التي يرأسها، في تحقيق الهدف الرئيس لحرب الإبادة، والتجويع والعقوبات الجماعية التي شنّوها، وهو التطهير العرقي، وهذا، سابقاً ولاحقاً، كان ولا يزال الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ الحركة الصهيونية من الفشل الحتمي. ولكن، كلما تعاظمت شراسة العدوانية الإسرائيلية وتصاعد حجم جرائمها، ازداد تمسك الشعب الفلسطيني بوطنه، وبرفض الرحيل عنه.
كانت تجربة النكبة عام 1948، أكبر مؤثر في السلوك الجماعي للشعب الفلسطيني، الذي صمدت معظم أجزائه في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزّة، في أثناء 5 حزيران 1967وبعدها، وما زالت صامدة رغم أبشع أنواع الإرهاب والتنكيل الذي يتعرض له. وكما لم يفلح القمع والتنكيل الذي وصل إلى حد ارتكاب الإبادة الجماعية، في إنهاء الصراع، فإن كل الاتفاقيات الجائرة، مثل اتفاق أوسلو، واتفاقيات التطبيع واتفاقيات التسويات الجزئية مع الدول العربية، لم تفلح في إنهائه. والسبب جذري وواضح، أن الصراع الدائر غدا وجودياً بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني. صراع حول أن يكون أو لا يكون، أن يبقى شعباً أو يفنى وينتهي ويذوب في مخيمات دولٍ أخرى، ليعاني تمييزاً أبدياً وانتقاصاً دائما لحقوقه المشروعة.
والسبب يعود، أيضاً، إلى أن الشعب الفلسطيني لم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه، حتى عندما اندفعت قيادته الرسمية نحو أوهام اتفاقيات جزئية، لتكتشف ويكتشف شعبها أن الحركة الصهيونية ليست معنيةً بحلولٍ وسط مع الشعب الفلسطيني.
تحدّث ترامب عن “خطة السلام” ولم يذكر إنهاء الاحتلال بكلمة
التطهير العرقي لـ 70% من الشعب الفلسطيني عام 1948، لم يُنهِ الصراع، لأن كل لاجئٍ حمل عند رحيله في قلبه وعقله، وطنه، وقريته، أو بلدته أومدينته.
والاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، الذي تحوّل إلى منظومة أبارتهايد هي الأسوأ في تاريخ البشرية، لم يستطع كسر إرادة الفلسطيني وتصميمه على تحقيق الحرية، بل زاده تمسكاً بها. وما جرى بعد 7 أكتوبر (2023) من مجازر وحشية في قطاع غزّة أعاد شحن أجيال الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج، بمشاعر الانتماء إلى القضية الفلسطينية، والتمسّك بالوطن فلسطين.
أما إرهاب عصابات المستوطنين في الضفة الغربية الذي يذكر الجميع بإرهاب عصابات الهاغاناه وشتيرن وايتسيل، فلم يزد الفلسطينيين إلا إدراكاً أن خلاصهم، وأمنهم، وسلامتهم مشروطة باستمرار صمودهم ونضالهم المشروع من أجل حقوقهم.
الصراع ما زال مستمراً، والنضال الفلسطيني سيبقى متقداً حتى نيل الحرية… ولا بديل للحرية
وما يتعرّض له الفلسطينيون في أراضي الـ 1948 على يد العنصرية الفاشية لم يزدهم إلا إدراكاً لأهمية التمسك بفلسطينيتهم وحقوقهم الوطنية. وذلك كله يفسّر الإصرار الإسرائيلي المدعوم من الإدارة الأميركية على انتزاع حقّ الفلسطينيين في النضال والكفاح من أجل حقوقهم وفي مقاومة الظلم الذي يتعرّضون له.
لم تبقَ وسيلة يستخدمها الاحتلال لتحقيق ذلك الهدف، من وسم النضال الفلسطيني بالإرهاب، إلى تحميل الضحية المسؤولية، إلى اعتقال مئات آلاف، إلى المصادرة الجنونية واللصوصية للأرض، إلى الاستيطان المنفلت من عقاله، الذي تجاوز كل الحدود، إلى تعذيب الأسرى وتجويعهم، إلى تشويه السردية التاريخية للصراع الدائر، واستبدالها بالروايات الكاذبة… ولم ينقذ ذلك كله الاحتلال من الفشل، وبقي الصراع محتدماً، وراية النضال مرتفعة، تتناقلها الأجيال.
تحدّث ترامب عن “خطة السلام” ولم يذكر إنهاء الاحتلال بكلمة، وسبق أن حاول استبدال حق تقرير المصير والاستقلال الوطني بما سميت صفقة القرن، ومنظومة كانتونات ومعازل ليواجه فشلاً حتمياً، ثم ليتخلى هو نفسه عن تلك الصفقة.
الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث تحوّل إلى منظومة أبارتهايد الأسوأ في التاريخ
وكلما أمعن الاحتلال في تدمير (وتصفية) إمكانية قيام دولة فلسطينية، ولو على جزء صغير من أرض فلسطين، عاد الفلسطينيون إلى شعارهم وهدفهم الأصلي بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على جميع التراب الفلسطيني.
قتل الاحتلال في حرب الإبادة ما لا يقل عن 72 ألف فلسطيني، ومنهم 20 ألف طفل، فأنجبت نساء غزّة، رغم أهوال الحرب، 82 ألف طفل جديد. دمّروا الجامعات والمدارس والمستشفيات، فأنشأ الفلسطينيون، مثل آبائهم من قبل، مدارس وعيادات صحية في الخيام.
أراد المستعمرون المستوطنون إفناء الشعب الفلسطيني عام 1948، فأصبح الشعب الأكثر تعليماً في كل المنطقة كطائر العنقاء نهض وينهض الفلسطينيون بعد كل أزمة، وكل عثرة، وهم يرون رعب أعدائهم من خطر أن يكبوا هم مرّة واحدة، فلا ينهضوا بعدها أبداً.
صرخة نساء غزّة كانت الصوت الذي لم يرد نتنياهو أن يسمعه، بأن الصراع ما زال مستمراً، والنضال الفلسطيني سيبقى متقداً حتى نيل الحرية… ولا بديل للحرية.
المصدر: العربي الجديد





