
لم تعد المشكلة في سوريا محصورة في اختلاف الروايات أو تضارب المواقف، بل في العجز المتزايد عن رؤية الذات، وكأن المجتمع السوري، بعد سنوات طويلة من العنف والانقسام، فقد مرآته الداخلية، واكتفى بالنظر إلى الآخرين فقط ليراهم مخطئين ومتوحشين، فاسدين أو متآمرين، بينما يعفي نفسه من أي مساءلة حقيقية.
وفي هذا الإطار، لا يعيش السوريون اليوم أزمة سياسية فحسب، بل أزمة أخلاقية ومعرفية أعمق تتجلى في النقد الذاتي، إنها أزمة قدرة على الاعتراف، وأزمة صدق مع النفس.
لا تواجهنا اليوم مشكلات في نقص المعلومات، ولا في غياب الوقائع، ولا حتى في اختلاف الروايات؛ لقد أصبح كل شيء مكشوفًا ومسجَّلًا وموثَّقًا ومتاحًا، ومع ذلك يبدو المجتمع عاجزًا عن رؤية ذاته، ليس لأنه عاجز عن ذلك، بل لأنه لا يريد نقد ذاته.
إن ما يُمارَس اليوم على نطاق واسع من مختلف الفئات الاجتماعية هو فعل بصري انتقائي، يتلخص في رؤية الآخر فقط بوصفه المشكلة والخلل والخطر والانحراف، أما الذات فهي بريئة على الدوام؛ فهي إما غائبة عن المشهد، أو حاضرة بصفتها ضحية دائمة، أو مستثناة من أي مساءلة، ليتحوّل بذلك المجتمع إلى فضاء مليء بالمرايا المكسورة: كل مرآة تعكس وجهًا واحدًا، ولا تعكس وجه صاحبها.
إن هذا العمى الجزئي ليس عفويًا، بل بنية ذهنية تراكمت عبر عقود، ثم تسارعت خلال سنوات العنف والانقسام، وهو ما يجعلنا أمام معضلة حقيقية تتمحور حول رفضنا تحميل أنفسنا ولو جزءًا من المسؤولية.
إن إحدى أخطر التحولات التي شهدها المجتمع السوري هي تحوّل الأخلاق من معيار إنساني عام إلى أداة انتقائية، فيصبح تقييم الأفعال قائمًا على هوية الفاعل لا على مقياس الصح والخطأ.
في المجتمعات السليمة، يُفترض أن يكون النقد مزدوج الاتجاه: نقد السلطة، ونقد الذات الجمعية، لكن الأمر في سوريا يتخذ منحى آخر؛ فقد تحوّل النقد إلى فعل أحادي الاتجاه، موجَّه دائمًا إلى الخارج، إذ تمارس كل جماعة نقدًا حادًا نحو الآخرين لا نحو نفسها.
اللافت هنا أن الخطاب النقدي السوري ليس ضعيفًا، بل يتمتع بقوة في التشخيص والتفكيك، لكنه موجَّه دائمًا إلى الغير، أما “نحن” فمحاطون بهالة من التبريرات، من ظروف وخوف وخصوصية، إلى ما هنالك من تبريرات جاهزة، وبهذا يفقد النقد وظيفته الأساسية، ويصبح مجرد أداة تموضع أخلاقي، تُستخدم لتأكيد التفوق لا لتغيير الواقع، إذ إننا في ممارستنا للنقد لم نعد نقصد منه إصلاحًا بقدر ما بات أداة للاتهام ومعيارًا لاصطفافات جديدة.
إن إحدى أخطر التحولات التي شهدها المجتمع السوري هي تحوّل الأخلاق من معيار إنساني عام إلى أداة انتقائية، فيصبح تقييم الأفعال قائمًا على هوية الفاعل لا على مقياس الصح والخطأ.
فالفعل نفسه قد يُدان في سياق، ويُبرَّر في سياق آخر؛ والعنف يصبح جريمة إذا صدر عن خصم، ورد فعل مفهومًا إذا صدر عن حليف؛ والكذب يصبح تضليلًا هنا، ودهاءً سياسيًا هناك؛ والإقصاء يصبح فاشية عند الآخرين، وحماية للهوية عند الذات.
إن هذه الازدواجية لا تُمارَس بوعي كامل، بل بوصفها آلية دفاعية جماعية، إذ تسمح لكل طرف بالحفاظ على صورة أخلاقية متماسكة عن نفسه، من دون الحاجة إلى مراجعة سلوكه الفعلي، فيُمنح الفعل قيمته الأخلاقية بحسب هوية الفاعل، ويُصار بذلك إلى تعطيل القدرة على التمييز الأخلاقي. فحين يُستخدم الغضب كأداة ضغط لا كاستجابة إنسانية، يتحوّل إلى ضجيج أخلاقي بلا مضمون.
إن واحدة من أكثر السرديات رسوخًا في الوعي السوري هي سردية الضحية، لا بوصفها توصيفًا لحالة واقعية، بل كهوية دائمة؛ فالجميع ضحايا وفقًا لرأي كل جماعة عن نفسها: الأفراد، والجماعات، والمسؤولون، والمواطنون. وبذلك لا تُسأل الضحية، ولا تُحاسَب، ولا تُطالَب بالمراجعة، فيصبح تبنّي هذه الهوية ملاذًا نفسيًا مريحًا يُخلي المسؤولية ويعفي من عبء النقد الذاتي.
يشكّل الخوف الجزء الأكبر من حياة السوريين، ليس اليوم فحسب، بل منذ حقبة زمنية موغلة، ما يجعلنا عاجزين عن مواجهة أنفسنا كي لا ينكشف لنا زيف ذواتنا. لذلك يفضّل الأعم الأغلب منا البقاء في منطقته الآمنة، وعدم مكاشفة نفسه في مرآة، أو محاولة رؤية الحكاية من زوايا أخرى؛ فالنظر في المرآة يتطلب استعدادًا للاعتراف بالتشوه، وهنا يكمن الخوف الحقيقي، لأن تلك المكاشفة قد تهدد السرديات المريحة، وتكسر الانسجام الداخلي، وتجبر الفرد أو الجماعة على مواجهة التناقض بين ما تقول وما تفعل.
في السياق السوري، يصبح الخوف مضاعفًا، لأن أي اعتراف بالخطأ يُخشى أن يُستخدم ضد صاحبه، ولأن المجتمع لم يطوّر بعد ثقافة الفصل بين النقد والمسؤولية الجماعية، وبين النقد والتخوين، ولم يرتقِ جراحه، ولم يرمّم انعدام ثقته حتى الآن. لذا يصبح الصمت عن الاعتراف بالخطأ خيارًا آمنًا، حتى لو كان مكلفًا على المدى البعيد.
إن الذاكرة ضرورة، لكن العيش داخلها ليس قدرًا، والمحاسبة مطلوبة، لكن تعليق الحياة بانتظارها ليس حلًا. فبين الإنكار والغرق في الماضي، هناك خيارات أخرى تكمن في الاعتراف، ومراجعة الذات، واتخاذ القرار بالمضي قدمًا.
إن سحب الأخلاق إلى ساحة الصراع السياسي والاجتماعي يفقدها حيادها، فلا تعود مرجعًا، بل تصبح سلاحًا يُرفع عند الحاجة. وهكذا تُفرَّغ القيم من مضمونها، وتُختزل إلى أدوات خطابية، ويفقد المجتمع ثقته بأي خطاب أخلاقي لأنه يراه مرتبطًا دائمًا بالمصلحة لا بالمبدأ.
ومن نافل القول إن منصات التواصل أسهمت في ترسيخ هذا الخلل بدل أن تكون فضاءً للمراجعة، ليس عبر الكذب فقط، بل عبر الانتقاء؛ فعملت على تضخيم قصص وتجاهل أخرى، وتقديم سرديات مبتورة، وتعزيز خطاب العداء “نحن وهم”. وفي هذا المناخ، يصبح التفكير النقدي فعلًا محفوفًا بالمخاطر الاجتماعية، لا السياسية فقط.
إن أي طرح للنقد الذاتي أصبح يواجَه باتهام جاهز، ويتعرّض صاحبه للهجوم والنبذ والإقصاء، ومواجهة الهجوم الجمعي تتطلب شجاعة نادرة لا يمتلكها كثيرون منا حتى اللحظة. وهو أمر له أسبابه المشروعة وسياقاته في بلاد عانت مثلما عانت سوريا، لذلك نجد كثيرًا من الأصوات المتوازنة انسحبت من الظهور العام، ليَسيطر على المجال خطاب شعبوي تحريضي في غالب الأمر.
قد يقول قائل إن الوضع المجتمعي في سوريا يائس ولا أمل فيه، لكن هذا القول أيضًا منبعه الخوف من التجربة، على الرغم من أن إمكانية التغيير تبدو متاحة، حتى وإن لم نلمس نتائجها بشكل مباشر، لأنها تحتاج إلى تراكمات إيجابية تغيّر الصورة النمطية التي اعتدناها.
لقد انتهى زمن التباكي بوصفه موقفًا، وولّى معه منطق تقاذف الاتهامات بوصفه بديلًا عن الفعل. لم يعد ممكنًا لمجتمع مثقل بكل هذا الخراب أن يواصل الوقوف في المكان ذاته، وهو يعيد سرد المظلومية نفسها، والقصص نفسها، والخصومات نفسها، وكأن التكرار يحقق شكلًا من أشكال العدالة.
فالنجاة — إن كانت ممكنة — لا تتحقق بالاستنزاف المتبادل، ولا بتبادل مواقع الضحية والجلاد في الخطاب، بل بخطوات واضحة إلى الأمام، تبدأ من إعادة النظر في الذات قبل تثبيت الاتهام في الخارج. وهذا لا يعني محو الماضي، ولا القفز فوق الألم، ولا طلب النسيان؛ فالمأساة السورية ما زالت حاضرة بكل تفاصيلها، لكن تحويل هذا الماضي إلى حمل دائم على الأكتاف يصبح مرهقًا ويقيّد الحركة ويشلّ القدرة على الفعل.
إن الذاكرة ضرورة، لكن العيش داخلها ليس قدرًا، والمحاسبة مطلوبة، لكن تعليق الحياة بانتظارها ليس حلًا. فبين الإنكار والغرق في الماضي، هناك خيارات أخرى تكمن في الاعتراف، ومراجعة الذات، واتخاذ القرار بالمضي قدمًا.
إن المجتمعات الطامحة للنجاة لا تكتفي بتعداد جراحها، بل تتعلّم كيف لا تعيد فتحها بالسكين نفسها، ولا تكتفي بإدانة ما جرى، بل تحاول منع تكراره، متلمّسة بذلك بداية الطريق إلى مرآة حقيقية، وإلى خطوة أولى خارج الدائرة.
المصدر: تلفزيون سوريا





