
بين الاحتواء التدريجي ومخاطر الانزلاق الأمني
تمثّل محافظة السويداء حالة خاصة في المشهد السوري بعد سقوط النظام السابق، ليس فقط لخصوصيتها الاجتماعية والدينية، بل لطبيعة السلطة القائمة فيها، التي لا تقوم على نموذج تمرّد مسلح تقليدي ولا على إدارة ذاتية مؤسسية، وإنما على توازنات محلية هشّة بين مرجعيات دينية، مجموعات مسلّحة محلية، وبنية اجتماعية شديدة الحساسية تجاه أي تدخل خارجي أو مركزي. ومع تشكّل الدولة السورية الجديدة وسعيها لإعادة بسط نفوذها على كامل الجغرافيا، تبرز السويداء بوصفها آخر اختبار داخلي معقّد لمعادلة “استعادة السيادة دون تفجير المجتمع المحلي”.
المشهد الميداني والسياسي في السويداء
عقب أحداث تموز، برزت في السويداء مجموعة مسلحة أطلقت على نفسها اسم “الحرس الوطني”، تمكّنت من فرض سيطرتها الأمنية داخل مدينة السويداء، وتحوّلت عملياً إلى جهة مقرّرة في الشأن المحلي. ارتبط هذا الصعود بدعم مباشر من مرجعية دينية بارزة “حكمت الهجري”، ما أضفى على هذه السيطرة بعدا اجتماعيا ودينيا، لكنه في الوقت نفسه عمّق الانقسام داخل البيت الدرزي، وغيّب أصواتاً أخرى رافضة لاحتكار التمثيل أو لجرّ المحافظة إلى مسارات سياسية حادّة.
في المقابل، امتنعت الدولة السورية الجديدة عن الدخول في مواجهة مباشرة، واختارت مقاربة تقوم على الضغط غير المباشر، تمثّل في تضييق اقتصادي وأمني جزئي، مع الإبقاء على قنوات إنسانية وخدمية مفتوحة، أبرزها استمرار دفع رواتب الموظفين الحكوميين ولو بالحد الأدنى، والسماح بمرور المساعدات عبر طريق دمشق–السويداء.
العامل الاقتصادي بوصفه رافعة الدولة الأهم
تعاني السويداء من هشاشة اقتصادية عميقة، تتجلّى في غياب أي بنية تمويلية أو إدارية قادرة على إدارة شؤون المحافظة بمعزل عن الدولة. فملفات الرواتب، والخدمات، والتنظيم الإداري، والارتباط بالمركز، تشكّل أعباءً لا تستطيع القوى المحلية تحمّلها، وهو ما يمنح الدولة السورية الجديدة ورقة ضغط صامتة لكنها فعّالة.
وقد حرصت الدولة على استثمار هذه الورقة بحذر، عبر عدم قطع الالتزامات بالكامل، بما يمنع تشكّل حالة قطيعة نفسية مع المجتمع المحلي، ويُبقي فكرة العودة إلى الإطار الوطني خياراً عملياً لا مكلفاً اجتماعياً.
البعد الخارجي وتراجع الرهانات
رافقت تطورات السويداء إشارات خارجية متناقضة في بداياتها، لا سيما بعد إعلان إسرائيل تقديم مساعدات إنسانية لمناطق درزية، وظهور تظاهرات محدودة رفعت رموزاً إسرائيلية وطرحت شعارات تقرير المصير أو الوصاية الدولية. غير أن هذا المسار لم يتحول إلى سياسة دولية معتمدة، وبقي في إطار الضغط الرمزي أكثر منه مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة.
في الأسابيع اللاحقة، تراجعت حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه السويداء، بالتوازي مع حديث متزايد عن تفاهمات أمنية أوسع مع الحكومة السورية الجديدة، يُدرج ملف الدروز ضمن إطار الاستقرار الإقليمي، وهو مسار تدعمه الأردن بقوة نظرا لحساسية الحدود الشمالية لعمّان، ورفضها أي فراغ أمني أو كيان خارج السيطرة المركزية.
كما أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدت دعما واضحا لأي حل يُبقي الملف ضمن الإطار الوطني السوري، ما حرم الفاعلين المحليين من أي غطاء دولي فعلي لمسارات انفصالية أو خارجية.
ميزان القوى داخل المحافظة
يُظهر ميزان القوى في السويداء اختلالاً واضحاً لصالح الدولة على المدى المتوسط، رغم السيطرة الميدانية الحالية لبعض الفصائل المحلية. فالدولة تملك الشرعية القانونية، والقدرة على التحكم بالمنافذ والموارد، والدعم الإقليمي والدولي للحل الوطني، إضافة إلى هامش مناورة داخل المجتمع الدرزي نفسه عبر دعم شخصيات وتيارات غير منخرطة في مشروع الاحتكار مثل مدير مديرية أمن السويداء “سليمان عبد الباقي”.
في المقابل، يملك الفاعلون المحليون سيطرة أمنية مباشرة ونفوذاً اجتماعياً جزئياً، لكنهم يفتقرون إلى الاعتراف الدولي، وإلى رؤية موحّدة داخل مجتمعهم، ويعتمدون على توازنات هشّة قابلة للتبدل مع أي تغيّر في البيئة الإقليمية.
المسارات المحتملة
تشير المعطيات الراهنة إلى أن مسار الاحتواء التدريجي يبقى الأكثر ترجيحاً، عبر تفاهمات جزئية تُعيد إدماج السويداء ضمن مؤسسات الدولة دون صدام مباشر. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد حدوث اشتباكات محدودة مع فصائل ترفض أي تسوية، لكنها مرشّحة للبقاء ضمن نطاق الضبط، دون التحول إلى مواجهة شاملة.
أما سيناريو الانفجار الواسع، فيبقى ضعيف الاحتمال، نظراً للكلفة الاجتماعية العالية، وغياب الغطاء الدولي، وحرص الأطراف الإقليمية على الاستقرار في الجنوب السوري.
خلاصة
تُظهر تجربة السويداء أن استعادة النفوذ لا تمر بالضرورة عبر الحسم العسكري، بل عبر إدارة دقيقة للتوازن بين الضغط والاحتواء. فالدولة السورية الجديدة تمتلك أدوات كافية لإعادة دمج المحافظة تدريجياً، شرط الاستمرار في تفكيك احتكار التمثيل، وتجنّب فرض ترتيبات قسرية قد تعيد إنتاج منطق الصدام.
المصدر: تلفزيون سوريا





