الوعي طريق الحرية.. قراءة في التجربة السورية على ضوء الجابري وبيغوفيتش

عدي محمد الضاهر

إن الحديث عن تحرير الأرض بوصفه الغاية القصوى لأي مشروع وطني يفقد معناه إن لم يُسبق بتحرير الوعي بوصفه الشرط الأول لكل تحرر حقيقي، لأن الأرض التي تتحرر ولم يتحرر وعيها من أنماط التبعية والاستبداد والعصبية تعود سريعًا إلى شكل آخر من أشكال الاحتلال الداخلي.

فالوعي ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو البنية التي تُنتج هذا الواقع وتمنحه شرعيته، ولذلك فإن المعركة الأولى في تاريخ الشعوب ليست معركة السلاح، بل معركة الفكر ومعركة القيم. وقد أدرك مفكرون من داخل سياقنا الحضاري هذه الحقيقة مبكرًا، وفي مقدمتهم عزّت بيغوفيتش ومحمد عابد الجابري، لأنهما انطلقا من مجتمعات عرفت الاستبداد والانقسام والجمود، وحاولا تفكيك أسباب العطب من الداخل، لا استيراد حلول جاهزة من الخارج.

سوريا في ضوء تجربة محمد عابد الجابري وعزّت بيغوفيتش

إن استحضار مشروع محمد عابد الجابري وعزّت بيغوفيتش في قراءة الحالة السورية أتصوره ضرورة منهجية، لأن كليهما انطلق من مجتمعات عانت من الاستبداد والانقسام والجمود، وسعى إلى تفكيك أسبابهما من الداخل، لا عبر استيراد نماذج غربية جاهزة. فالجابري، حين اشتغل على نقد بنية العقل العربي، لم يكن يستهدف التراث بقدر ما كان يستهدف طريقة توظيفه سياسيًا واجتماعيًا لتبرير الطاعة وإلغاء السؤال، وتحويل الماضي إلى سلطة فوق الحاضر، وهو ما نراه بوضوح في التجربة السورية، حيث جرى استخدام التاريخ والدين والعرف لإنتاج وعي خاضع يقبل بالشخص الواحد ويخاف من التغيير.

أما بيغوفيتش فقد انطلق من تجربة مجتمع مسلم متعدد الأعراق خرج من حرب إبادة، ليؤكد أن الحرية ليست مجرد نظام سياسي، بل قيمة أخلاقية داخلية، وأن الإنسان الذي لم يتحرر من الخوف والطاعة العمياء لا يستطيع بناء دولة عادلة مهما رفعت من شعارات. وهنا يلتقي فكر الرجلين عند نقطة جوهرية، مفادها أن الأزمة ليست في نقص القوة أو الموارد، بل في بنية الوعي نفسها، وأن تحرير الإنسان من العصبية والطائفية والتبعية هو الشرط الأول لبناء دولة المواطنة.

وبإسقاط هذا على سوريا، يتضح أن المأساة لم تكن فقط في انهيار المؤسسات، بل في انهيار القدرة على التفكير خارج منطق الانتماءات الضيقة، وأن أي مشروع للخلاص لا يمكن أن ينجح ما لم يبدأ بنقد هذا الوعي الذي أنتج الاستبداد مرة باسم الأمن، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الهوية والعادات والتقاليد. فكما أراد الجابري عقلًا عربيًا نقديًا قادرًا على فهم العصر دون أن يكون أسيرًا للماضي، وأراد بيغوفيتش إنسانًا حرًا أخلاقيًا، لا تابعًا للسلطة ولا مستلبًا بالعصبية، فإن سوريا اليوم تحتاج إلى هذا النموذج المركب (وعي نقدي وحرية أخلاقية حقيقية)، وهو نموذج يتعارض مع ثقافة الشخص الواحد، ويؤسس لدولة تقوم على الإنسان أولًا.

الموظف والمسؤول هو أساس الدولة لا السلطة، ولأن المنصب وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، لا امتيازًا دائمًا ولا سلطة مطلقة تُمنح بصك من الحاكم.

التجربة السورية والوعي الجمعي

ومن هذا المنظور يمكن قراءة التجربة السورية لا بوصفها مأساة سياسية وعسكرية فقط، بل بوصفها اختبارًا قاسيًا لبنية الوعي الجمعي. لقد كشفت السنوات الماضية أن المجتمع كان هشًّا أمام الانقسام، لأن أنماط الانتماء القديمة كانت أقوى من فكرة المواطنة، فالولاء للطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الشخص والسلطة كان أسبق من الولاء للدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا بين أفراد متساوين. وهنا لا يمكن اختزال الفشل في السلطة وحدها، رغم مسؤوليتها الكبرى، بل يجب الاعتراف بأن المجتمع نفسه كان يحمل في داخله بذور هذا الانهيار، عبر قبوله الطويل بثقافة الشخص الواحد، والزعامات المطلقة، والطاعة غير المشروطة، وكأن السياسة محرمة على عامة الشعب، وكأن الدولة كيان خارجي لا علاقة له بحياة الناس اليومية.

لقد ثبت بالتجربة أن الارتباط المرضي بالأنماط القديمة لم يثمر إلا الجهل والفشل، وأننا فشلنا بهذه الأنماط في الاقتصاد، حين تحولت الدولة إلى مزرعة فساد، وفشلنا اجتماعيًا حين انقسم المجتمع إلى جماعات مغلقة، وفشلنا ثقافيًا حين صار السؤال والنقد جريمة، وفشلنا سياسيًا حين اختزلنا الدولة والمجتمع في شخصية واحدة. وهذا الفشل ليس حادثة عابرة، بل نتيجة تاريخ طويل من تعطيل العقل النقدي وتقديس السلطة في سوريا، سواء كانت سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية. وعليه، فإن الاستمرار في هذه الأنماط بعد كل ما حدث لا يعني سوى إعادة إنتاج الكارثة بلغة جديدة لأجيال قادمة، ولذلك فإن أي مشروع للمستقبل لا بد أن يبدأ من قطيعة معرفية مع هذه البنية الذهنية الفاسدة. وهنا لا أقصد قطيعة مع التاريخ ذاته، بل مع قراءته الاستبدادية.

مفهوم السلطة والمسؤولية والعشيرة

ومن أخطر مظاهر هذا العطب ترسيخ فكرة الشخص الواحد، وكأن المجتمع عاجز عن إنتاج معنى خارج صورة القائد أو الشيخ أو الزعيم. فالدولة الحديثة لا تُبنى على الكاريزما، بل على المؤسسات، ولا تستمر بقدسية الأشخاص، بل باستمرارية القواعد والروتين الوظيفي. وتجربة المجتمعات الأوروبية الحديثة تؤكد ذلك، حيث تتغير الحكومات ويبقى الموظفون، لأن الموظف والمسؤول هو أساس الدولة لا السلطة، ولأن المنصب وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، لا امتيازًا دائمًا ولا سلطة مطلقة تُمنح بصك من الحاكم.

وفي السياق ذاته تبرز مسألة العشائر، التي تمثل جزءًا من النسيج الاجتماعي السوري، لكنها حين خرجت من إطارها الاجتماعي إلى إطارها السياسي تحولت إلى أداة توظيف بيد السلطة. فالسلطة بطبيعتها تبحث عن كتل بشرية يمكن ضبطها عبر شخص واحد، ولهذا ترى في شيخ العشيرة مدخلًا سهلًا للهيمنة على جماعة كاملة. ومن هنا تصبح إعادة العشائر إلى وظيفتها الاجتماعية ضرورة لا عداءً لها، عبر تحجيم الدور السياسي لشيوخها، وإعطاء أهمية أكبر للمثقفين وأصحاب الشهادات والكفاءات في تمثيل هذه المجموعات، مع الحفاظ على عرف احترام كبار الشخصيات بوصفهم رموزًا أخلاقية لا أدوات نفوذ. فالمجتمع الحديث لا يقوم على الوجاهة، بل على المعرفة والخبرة، ولا على القرابة، بل على الكفاءة وتساوي الفرص.

الأحزاب هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحويل المجتمع من كتلة صامتة إلى قوة واعية قادرة على المشاركة في رسم مستقبلها.

الحريات أساس الوعي

حرية الصحافة وحرية القلم ليست خطرًا على الدولة، بل ضمانة لعدم انحرافها، لأن النقد المستمر لكل ما تفعله السلطة هو الدور الحقيقي للمواطن في الدولة الحديثة. فالمواطن ليس تابعًا بقدر ما هو رقيب، وليس متلقيًا للأوامر، بل شريكًا في تصحيح المسار. ومع تكرار هذه العملية من نقد ومساءلة وتصويب، تنشأ سلطة تتعلم، ويمنعها الخوف من الفضيحة من الاضطهاد، ومع تراكم النقد تتصلح السلطة لتصل إلى مراحل متقدمة من الأخلاقية في العمل والوظيفة.

وفي هذا السياق تصبح الأحزاب السياسية الوطنية ضرورة ملحة، لأنها تمثل وظيفة الرقابة المنظمة على السلطة، وتمنع اختزال السياسة في فرد أو مؤسسة واحدة. فغياب الأحزاب الفاعلة يترك المجال فارغًا أمام السلطة لتحتكر القرار، بينما وجودها يخلق توازنًا اجتماعيًا وسياسيًا يضمن تداول الأفكار والبرامج لا الأشخاص. الأحزاب هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحويل المجتمع من كتلة صامتة إلى قوة واعية قادرة على المشاركة في رسم مستقبلها.

إن مسؤولية هذا التحول في سوريا تقع بالدرجة الأولى على السلطة، سواء الحالية أو القادمة، لأنها تملك أدوات التعليم والإعلام والتشريع، وهي القادرة على أن تكسر الحلقة التاريخية للاستبداد أو تعيد إنتاجها بصيغة جديدة. فالسلطة التي لا تؤمن بتحرير الوعي ستعيد إنتاج الخراب مهما حسنت نواياها، أما السلطة التي تجعل الإنسان غاية الدولة لا وسيلتها، فستفتح المجال أمام نشوء مجتمع نقدي، تعددي، قادر على حماية نفسه من الانزلاق مرة أخرى إلى العصبية والطغيان.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى