مُقاتل وأغنية

معين الطاهر

نُشر أخيراً تسجيلٌ مرئيٌّ تحكي فيه الراوية قصةَ أغنيةٍ شهيرة غنّاها الشاعر والمنشد إبراهيم محمّد صالح، المعروف بـ”أبو عرب” (1931–2020)، مطلعها: “يا يُمّه في دقّة عَ بابنا/ يا يُمّه هاي دقّة حبابنا/ يا يُمّه هاي دقّة قويّة/ يا يُمّه هاي دقّة فدائيّة”، وهي تُصوِّر تنبيهَ فتاةٍ والدتها أن من يقرع باب البيت هو شخصٌ نحبّه ويحبّنا، وتستنتج من قوة دقّاته أن مَن على الباب لا بدّ أن يكون فدائيّاً. وتخبرنا راوية موقع معازف أنها قصّةٌ حقيقيةٌ سجّلتها هذه الأنشودة ذائعة الصيت، وأنها لم تنبع من خيال الشاعر أو من زمنٍ متخيَّل؛ إذ حدثت وقائعها عام 1982، حين اجتاح وزير الحرب الإسرائيلي في حينه، آرييل شارون، لبنان. وهي تتعلّق بفدائي يقيم أهله في فلسطين، وقد غادرها إلى الجنوب اللبناني للانضمام إلى الثورة الفلسطينية، واعتقدت والدته أنه قد استشهد؛ لذا عندما عاد إلى البيت رفضت أن تفتح له الباب، معتقدةً أنه “إسرائيلي”، فلجأ الفدائي إلى الجيران الذين زفّوا خبر عودته إلى والدته.
ينحدر بطل الأغنية من غزّة، انضم فدائياً إلى وحدة الصواريخ بالثورة الفلسطينية
حتّى هذا الحدّ، القصة حقيقيةٌ تماماً، وقد حدثت، وكنتُ قد وثّقت وقائعها الأصلية في مقابلةٍ مسجّلة قبل بضع سنوات مع قائد وحدة الصواريخ في حركة فتح حسن الشبل، التي انضمّ إليها هذا الفدائي عند التحاقه بالثورة الفلسطينية. وكانت الوحدة ترابط في منطقة مخيّم برج الشمالي بالقرب من صور، وملحقة بالقطاع الأوسط الذي كان يقوده الشهيد بلال (محمود السمودي 1944 – 1982). أمّا الراوية، التي يُقدَّر لها جهدها في سرد القصّة، فقد غابت منها بعض التفاصيل المتعلّقة ببطلها، وأرادت أن تربط هذا النموذج الأسطوري لفدائي يتمكّن خلال الحرب الضارية من العودة إلى منزل أهله بنموذجٍ مشابهٍ في الحرب يعرفه الناس؛ فاختارت معركة قلعة الشقيف كي يخوض فيها الفدائي معركته ويكون الناجي الوحيد فيها، واختارت “الكتيبة الطلابية” التي اشتهرت لاحقاً بـ”كتيبة الجرمق”، وعُرفت بمسلكيّتها وانضباطها ومعاركها البطولية، كي يكون هذا المقاتل عضواً فيها، وبذلك تكتمل لديها الرواية التي تجمع ما بين مقاتل شجاع، ومعركةٍ سُجّلت في التاريخ الفلسطيني، ووحدةٍ مقاتلة شكّلت نموذجاً يُعتدّ به، في إطار قصّةٍ إنسانية تمتزج فيها الوقائع ببعض الخيال.
أغفلت الراوية مكان إقامة عائلة هذا الفدائي؛ فهو ينحدر من أحد مخيّمات غزّة، وكان يعمل، شأن أترابه، في منطقة الناقورة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وكان يستقلّ الحافلة (الباص) من غزّة إلى مكان عمله، يبيت فيه ويعود إلى منزله في عطلته الأسبوعية. وفي إحدى تلك الليالي تسلّل من فلسطين إلى الجنوب اللبناني إذ التحق بوحدة الصواريخ. وفي حرب 1982 كُلِّفت هذه الوحدة بقصف تجمّعات الجيش الإسرائيلي، وفي 6 يونيو/ حزيران، وخلال عودتها من إحدى المهام، فوجئت بلواء إسرائيلي مدرّع ما بين مخيّمي برج الشمالي والبص، يتقدّم بسرعة كبيرة بعد عبوره المنطقة التي تسيطر عليها قوات الطوارئ الأممية (يونيفيل)، متّجهاً إلى نهر الليطاني وجسر القاسمية للسيطرة عليه. اشتبك المقاتلون مع الدبابات والمدرّعات الإسرائيلية، وتمكّنوا من تدمير عدّة عربات ودبّابات، وأسر قائد اللواء برتبة عقيد وضبّاط وجنود، بينهم ضابط برتبة رائد. لكن رتل الدبابات استمرّ في التقدّم، وبحسب ما قاله قائد اللواء، فإنّ ما أزعجه كان تخلّي رفاقه عنه، وعدم توقّفهم أو عودتهم لإنقاذه.
لا أعرف إن كان قد التأم شمل الفدائي مع والدته من جديد، أم أنها عاشت على أملٍ ظلّ يداعب خيالها
توزّع المقاتلون بين مجموعات، وانتشروا في بساتين قرى برج الشمالي ومعركة والبازورية، مصطحبين معهم أسراهم. واشتبكوا عدّة مرّات مع وحدات الجيش الإسرائيلي التي كانت تفتّش المنطقة شبراً شبراً، باحثةً عن الأسرى، ولم تُعلِن عنهم ولا عن المعارك التي وقعت مع الفدائيين؛ فاستشهد عددٌ منهم كما قُتل بعض الأسرى. وعند العثور على جثّة العقيد الصهيوني في أحد الآبار، أعدم الجيش الإسرائيلي في المكان نفسه عمر عبد الكريم، قائد قوات المليشيا في مخيّم برج الشمالي، الذي كان يصطحبه درعٍاً بشرياً أمام قواته. ويُسجَّل لأهالي المنطقة أنهم كانوا يضعون الخبز والطعام والماء بين السلاسل الحجرية كي يجدها المقاتلون المنتشرون في بساتينهم.
ازدادت أوضاع المقاتلين صعوبةً، وأصبح من الصعب التحرّك في مجموعات، واستشهد الرائد بلال. اختار بعضهم الاختباء، كما قرّر آخرون الانسحاب باتجاه بيروت أو البقاع، واستُشهد أو أُسر آخرون. أما صاحبنا فقد اختار طريقاً آخر: العودة من الطريق التي حضر منها. كان ما يزال يحتفظ بهُويّته وببضعة أوراق من العملة الإسرائيلية. اجتاز الحدود اللبنانية الفلسطينية، ووصل إلى محطّةٍ للحافلات ليستقلّ إحداها عائداً إلى غزّة.
لم تنتهِ القصة هنا. بعد شهرَين، حصل هذا الفدائي على تصريح مرور مكّنه من مغادرة فلسطين عبر الأردن، والتحق من جديد بوحدته في البقاع اللبناني. لا أعرف إن كان قد التأم شمله مع والدته من جديد، أم أنها عاشت على أملٍ ظلّ يداعب خيالها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى