
هند رجب، طفلة فلسطينية عمرها ست سنوات قُتلت مع أبناء عمومتها وخالتها وعمّها، ومسعفَين اثنين حاولا مساعدتهم، بعد أن أطلقت عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليهم في غزّة (22/1/2024). استخدمت المخرجة التونسية كوثر بن هنية تسجيلات للطفلة ونداءات الإغاثة التي أطلقتها في فيلم “صوت هند رجب”. تدور أحداثه بالكامل في مركز اتصال لخدمات الطوارئ. فاز الفيلم (6/9/2025) بجائزة الأسد الفضّي في مهرجان البندقية، وأثار ضجّة كبيرة استثنائية بين الحاضرين الذين وقفوا تصفيقاً 23 دقيقة، متجاوزين الرقم القياسي للتصفيق وقوفاً الذي دام 22 دقيقة لفيلم “متاهة بان” في مهرجان كان عام 2006، وقد رفع عدة ممثّلين صور هند رجب وعلم فلسطين خلال التصفيق الحار، ورُشّح الفيلم لجائزة الأوسكار.
فيلم آخر: “لا أرض أخرى سوى فلسطين” عن معاناة الفلسطينيين في أرضهم والسياسة الإسرائيلية الثابتة على هدف اقتلاعهم منها، وهدم منازلهم، وطردهم من وطنهم، ويركّز في ما جرى في بلدة مسافر يطا التي تعرّض سكّانها للتطهير العرقي، وطُرد منهم ألف نسمة، واستخدمت أرضهم لتدريبات عسكرية، وبُنيت فيها مستوطنات. ومارس المستوطنون “هواياتهم” في مناطق فلسطينية أخرى باعتداءات دائمة على أصحاب الأرض العُزّل للسيطرة والتوسّع أكثر. نال الفيلم جائزة الأوسكار في العام التالي. وعندما تسلّم المخرج باسل عدرا الجائزة قال: “قبل شهرَين أصبحت أباً، وأمنيتي لابنتي ألا تعيش الحياة نفسها التي عشتها وأعيشها الآن حيث الخوف الدائم من تدمير منازلنا أو الاضطرار إلى الانتقال”. يومها خرج صحافي يدعى يوفال أبراهام ليدين هجوم 7 أكتوبر (2023) ويحمّل الولايات المتحدة “المسؤولية”، ويدعو إلى دولة واحدة يتساوى فيها الجميع، وإلى وضع حدّ للنظام الاستعماري الإسرائيلي.
المقاومة قناعة، إيمان، بحث، ذاكرة، وعي، إرادة… وهذا كله فعل مفتوح في ساحات العالم، ولا يمكن لأحد وقفه، لأنه يجسّد العقل الفلسطيني وهو مبدع وخلّاق
أمّا “فلسطين 36″، الفيلم الذي أخرجته آن ماري جاسر والمرشّح لجائزة الأوسكار 2026، فقد اقتحمت القوات الإسرائيلية مركز بيوس الثقافي في حي الشيخ جرّاح في القدس ومنعت عرضه، وعلّقت إشعاراً رسمياً يحظر تنظيم أي عروض لاحقة له، لأنه “يروّج أنشطة إرهابية”، في سياق حملة أمنية تقودها قوات الاحتلال، تحت عنوان “درع العاصمة” التي هدموا فيها أيضاً مركزاً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). يضيء الفيلم على مرحلة الانتداب البريطاني في قمع الانتفاضة الشعبية بين عامي 1936- 1939، والسياسة الاستعمارية التي غطّت أعمال العصابات الصهيونية قبل النكبة، والعنف الذي مارسه الجيش ضدّ الناس. رغم ذلك حقّق الفيلم نجاحاً استثنائياً وعُرض في مهرجانات دولية مهمة، منها مهرجان ساو باولو، ونال جائزة. وتخوض إسرائيل معركة منع فوزه بجائزة أوسكار. لماذا؟
هذا الإنتاج السينمائي المستمرّ من فلسطينيين، أو بمشاركتهم، لكن بمضمون فلسطين الذاكرة، التاريخ، القضية، القهر، الظلم، تعتبره إسرائيل تهديداً لها، لأنها تصرّ على مسح الذاكرة الفلسطينية وموت القضية الفلسطينية، وهي تخشى الإبداع الفلسطيني والإرادة الفلسطينية والإيمان الفلسطيني والإصرار على الحياة وعلى إبقاء القضية حيّة. هذه مسألة جوهرية مهمّة في عمق الصراع مع العدو. هذا نوع مهم من المقاومة الفكرية الثقافية التربوية التوعوية التي أقلقت إسرائيل. وإذا كانت أفلام معيّنة أثارت هذا السخط والغضب ودفعت الصهاينة إلى استنفار طاقاتهم وشعاراتهم وإمكاناتهم لمحاصرة هذا الإنتاج المهم ومنع انتشاره فهو يدلّ على خطورة المشروع الإسرائيلي ومسؤولية العرب والفلسطينيين.
لم يقصّر الفلسطينيون في الشتات. حققوا نجاحات، لكن المسألة لا تعنيهم وحدهم. على العرب أن يدركوا أن لديهم إمكانات بشرية ومالية (خصوصاً مالية) يمكن استخدامها واستثمارها في أعمال فنّية وأدبية وموسيقية وسينمائية مركّزة وهادفة، وتعاملوا مع مؤسّسات إنتاجية، أو أسّسوا شركات خاصّة لذلك، ومع مؤسّسات عالمية كبرى مثل المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة (ألكسو)، ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، ومعهد العالم العربي، وكثير من المنظمات والهيئات التي استنفرت دفاعاً عن حقّ الشعب الفلسطيني، واتخذت مواقف أرهقت إسرائيل وجعلت رئيس حكومتها يعترف: “خسرنا معركة الوعي”، وهي المرّة الأولى التي يصدر فيها مثل هذا الاعتراف. لو أدرك العرب ذلك لاستطعنا خوض معركة لا تقلّ أهمية عن المقاومة الشعبية العسكرية أو “الأمنية” أو “الانتفاضات على الأرض” وهي مستبعدة حالياً.
تستهدف إسرائيل العقل العربي، والذاكرة الفلسطينية، وتعرف تماماً ماذا فعلت. فقد اعترف ناحوم غولدمان (رئيس المؤتمر اليهودي بين عامي 1953 – 1977) في كتابه “التناقض اليهودي” (The Jewish Paradox) (1978) أن ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل) قال له في جلسة خاصّة: “ما الذي يدفع العربي إلى السلام؟ لو أنني زعيم عربي لما اتفقت أبداً مع إسرائيل. صحيح أن الله وعدنا بها (أرض فلسطين) ولكن ما قيمة ذلك بالنسبة إليهم؟ إن إلهنا غير إلههم. إننا أبناء إسرائيل، ولكن ذلك منذ ألفي سنة، ولا يعني شيئاً بالنسبة إليهم. لقد كان هناك عداء ضدّ السامية، النازيون، هتلر، معسكرات أوشفيتز. ولكن هل كان هذا خطؤهم؟ إنهم لا يرون إلا شيئاً واحداً، لقد حضرنا إلى هنا وسرقنا وطنهم. فلماذا يقبلون ذلك؟” (ص 99). هذا اعتراف يؤكّد خطورة معركة الذاكرة بالنسبة إلى إسرائيل، وصبر الفلسطينيين ونضالهم وصمودهم وإيمانهم، وإصرارهم على تمسّكهم بأرضهم، رغم الإبادة التي تعرّضوا (ويتعرّضون) لها، ويقودها الحالم بأن يكون بن غوريون الثاني في تاريخ إسرائيل. الأول هو المؤسّس، والثاني هو المكرِّس الذي اعترف بخسارة معركة الوعي.
تخشى إسرائيل الإبداع الفلسطيني وتصرّ على مسح الذاكرة الفلسطينية
المقاومة قناعة، إيمان، بحث، ذاكرة، وعي، إرادة، إدارة، ثقافة، شعر، أدب، فنّ، سينما، مسرح، دبلوماسية، إعلام، علاقات عامة، حضور، إنتاج، نشر، طباعة، مراكز أبحاث ودراسات وتوثيق… وهذا كلّه له فعله، ومفتوح في ساحات العالم، ولا يمكن لأحد وقفه، لأنه يجسّد العقل الفلسطيني وهو مبدع وخلّاق.
أمام الإنجازات السينمائية التي نتناولها اليوم ينبغي التركيز في ضرورة توثيق ما جرى (ويجري) في أرض فلسطين وفي ساحات العالم، وتعميمه بلغات مختلفة، والاستفادة من الطاقات والإمكانات التي شهدتها المبادرات والتظاهرات والتحرّكات والمناسبات الداعمة لفلسطين، مذكّرين، في الوقت نفسه، بما أعلنه جوزيف بيلزمان صاحب خطة “غزّة الجديدة” ومبلور فكرة “ريفييرا ترامب” عندما قال: “نحتاج 50 سنة لتنظيف عقل الطفل العربي الفلسطيني”.
لدي ثقة بأن الشعب الفلسطيني سيدفع هؤلاء إلى اليأس في هذه المعركة، وهو حقّق كثيراً في هذا المجال، ويجب اليوم توثيق أعماله الثقافية ونشاطاته في مؤسّسات تملك الرؤية، وتحتاج بالتأكيد إلى الدعم والاحتضان لتبقى الذاكرة حيّة، ولتكرّس القضية الفلسطينية حقّاً لا يموت. إنها معركة الذاكرة.
المصدر: العربي الجديد






