
شكّل سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 نهايةً لفصل طويل من الحكم الاستبدادي في سوريا، وفتح في الوقت نفسه نافذةً للمحاسبة التاريخية. ومن بين أبشع الفظائع الجماعية التي ارتُكبت خلال أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي، تحتل مذبحة حماة في شباط/فبراير 1982 مكانةً خاصة في الذاكرة الجماعية السورية وفي بنية القمع التي دعمت سلطة النظام.
وعلى مدى ثلاثة وأربعين عاماً، ظلّت هذه المذبحة من أكثر المحرمات صرامةً في المجتمع السوري. وفي حقبة ما بعد الأسد، تبرز إعادة فتح هذا الملف خطوةً أساسيةً لبناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، ومواجهة الفظاعة المباشرة للمذبحة وثقافة الإفلات من العقاب التي رسّخها النظام.
ففي شباط/فبراير 1982، شنّت القوات العسكرية والأمنية السورية، بقيادة حافظ الأسد، هجوماً ممنهجاً على مدينة حماة استمر قرابة شهر. شاركت في العملية وحدات عسكرية متعددة، من بينها ألوية الدفاع بقيادة رفعت الأسد، وقوات خاصة، واللواء 47، وأجهزة استخباراتية مختلفة. فرضت هذه القوات حصاراً كاملاً على المدينة، وقطعت عنها المياه والكهرباء والاتصالات قبل أن تبدأ أعمال عنف واسعة النطاق ضد السكان المدنيين.
اتّخذت الأساليب المستخدمة نمطاً شاملاً من التدمير؛ فقد استهدف القصف المدفعي والجوي العشوائي الأحياء السكنية، بينما نفّذت القوات البرية عمليات إعدام بإجراءات موجزة واعتقالات جماعية تعسفية. وكان التعذيب ممنهجاً، وسُوِّيت أحياء تاريخية بأكملها بالأرض، بما في ذلك الكيلانية والشرقية والزنبقي. وصودرت الممتلكات، وأُقيمت أعمال بناء لاحقة مباشرة فوق الأنقاض، وفي بعض الحالات فوق مواقع يُعتقد أنها تضم رفات ضحايا في مقابر جماعية مجهولة.
تشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن ما بين ثلاثين وأربعين ألف مدني لقوا حتفهم خلال الهجوم، بينما تعرّض نحو سبعة عشر ألف شخص للاختفاء القسري، ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى يومنا هذا. ورغم أن الأرقام التي وثقناها أقل بكثير بسبب عقود من التستّر القسري والتدمير المتعمّد للأدلة، فإنها تكشف الطابع المنهجي للعنف.
وبموجب المبادئ الراسخة في القانون الدولي، تُعد هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية، بوصفها هجوماً واسع النطاق ومنهجياً موجّهاً ضد السكان المدنيين، شمل القتل، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاضطهاد. والأهم أن هذه الجرائم لا تخضع لأي تقادم؛ فمرور ثلاثة وأربعين عاماً لا يسقط المسؤولية القانونية عمّن أمروا أو خططوا أو نفّذوا.
اعتمد نظام الأسد في تعامله مع المذبحة على منطق جمع بين الإنكار القاطع والاستثمار النفعي؛ اختزلت الرواية الرسمية الفظائع إلى مجرد “حوادث” أو عمليات أمنية استهدفت “إرهابيين”، متجاهلةً الضحايا المدنيين من التاريخ الرسمي، ومصوِّرةً الدولة في الوقت نفسه بوصفها حامية للنظام. وأسهم هذا الإنكار في حماية النظام الأسدي من المساءلة محلياً ودولياً.
غير أن المفارقة أن النظام حوّل حماة إلى رمز للعنف الحكومي المطلق وللعزم على الاحتفاظ بالسلطة بأي ثمن؛ كانت الرسالة الموجهة إلى المجتمع السوري واضحة: هذا مصير من يتحدى السلطة الحاكمة. ترسّخ الخوف في النسيج الاجتماعي، وتراجعت أشكال المعارضة، ونشأ جيل مهيّأ للخضوع. وهكذا عملت المذبحة في آن واحد بوصفها حدثاً يُنكَر في الخطاب العام، وتهديداً دائماً في الوعي الجمعي.
أما رد فعل المجتمع الدولي فكان إخفاقاً ذريعاً؛ لم توثّق أي هيئة تابعة للأمم المتحدة المذبحة توثيقاً رسمياً، ولم يصدر قرار عن مجلس الأمن، ولم يُفتح تحقيق دولي، كما غاب حجم الفظائع بصورة لافتة عن تصريحات كبار المسؤولين الدوليين. وقد عزّز هذا الصمت قناعة النظام بأنه قادر على ارتكاب الجرائم دون عقاب، ورسّخ ثقافة الإفلات من العقاب التي أتاحت لاحقاً مزيداً من الانتهاكات، بما في ذلك الجرائم واسعة النطاق التي ارتُكبت بعد عام 2011.
أحدثت المذبحة تحولاً جذرياً في حماة، مادياً ونفسياً؛ فقد أصبح المشهد الحضري شاهداً على عنف الدولة، إذ هُدمت أحياء بأكملها وأعيد بناؤها وفق تصاميم فرضها النظام. وشُيِّدت مبانٍ حكومية على أراضٍ كانت تضم منازل، وفي بعض الحالات على مواقع يُحتمل أنها لا تزال تحوي رفات الضحايا.
وكانت الخسائر البشرية أشد وطأة؛ فقد تأثرت كل عائلة تقريباً في حماة بصورة مباشرة؛ إذ فقد
الآلاف أقاربهم في عمليات القتل، بينما فقد آلاف آخرون أفراداً من عائلاتهم بسبب الاختفاء القسري. وفرض هذا النوع من الضحايا شكلاً خاصاً من المعاناة، إذ حُكم على العائلات بعقود من عدم اليقين بشأن مصير أحبائها. وأعاق هذا الغموض مسارات الحداد والتعافي، وأسهم في انتقال الصدمة عبر الأجيال.
ورغم حظر الخطاب العام، بقيت ذكرى المذبحة حية من خلال شبكات التذكّر الشفهي غير الرسمية. تناقلت العائلات القصص والمعلومات في أحاديث خاصة، وحُفظت الشهادات رغم المخاطر المصاحبة. كما برز الأدب مساحةً لحفظ الذاكرة، إذ وثّق عدد من كتّاب حماة التجربة في أعمالهم. ويشكّل هذا الصمود في الذاكرة، رغم القمع الممنهج، قاعدةً ضرورية لأي مسعى جاد نحو الحقيقة والمصالحة.
أتاح سقوط نظام الأسد فرصاً لم تكن متاحة لأكثر من أربعة عقود. فقد بات بإمكان الناجين وعائلات الضحايا التحدث علناً عن تجاربهم، والبحث عن معلومات تخص أقاربهم المختفين، والسعي إلى المساءلة عبر القنوات الرسمية. وتضع هذه اللحظة الحكومة السورية الجديدة أمام خيار مصيري في علاقتها بالماضي.
إن مواجهة مذبحة حماة مسألة لا غنى عنها، باعتبارها أولاً اعترافاً تاريخياً. وثانياً، شرطاً لازماً لمصالحة وطنية حقيقية وبناء دولة تقوم على سيادة القانون. لقد أسهمت ثقافة الإفلات من العقاب التي رسّختها المذبحة وعزّزها الصمت الدولي في تهيئة ظروف سمحت بانتهاكات أكبر في السنوات اللاحقة؛ ولا يمكن فصل معالجة هذه الجريمة الجسيمة عن معالجة تبعاتها.
بالنسبة للضحايا الذين انتظروا أكثر من أربعة عقود للاعتراف بهم، ولمن لم ينجوا ليشهدوا هذه اللحظة، وللناجين الذين ما زالوا ينتظرون أخبار أحبائهم، تبقى العدالة واجباً وإمكانية. وتعتمد قدرة سوريا على بناء مستقبل مستقر، في جوهرها، على استعدادها لمواجهة ماضيها.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






