
أصعب أنواع الوساطات الدولية هي حين تتشابك أصابع أطراف النزاع على الزناد، ويصبح الخيار بين التصعيد والتهدئة متقاطعاً مع مصالح متضاربة حول ملفات بالغة التعقيد والخطورة.
تبدو أنقرة في هذا الواقع الإقليمي المضطرب، وكأنها اختارت أن تكون حلقة الوصل بين طرفي النزاع، وألا تكون وساطتها بين واشنطن وطهران خياراً عابراً، بل أداة استراتيجية لإدارة التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، جاءت مواقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد زيارته إلى أنقرة، إلى جانب رسائل الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي، لتفتح نافذة أمل ضيقة تحاول إسرائيل إغلاقها عبر الترويج لهجوم أميركي وشيك على إيران.
يضع هذا التقاطع بين تفاؤل إيراني حذر، وغموض أميركي محسوب، وضغط إسرائيلي متصاعد، التحرك التركي في قلب اختبار معقّد، تتجاوز فيه الوساطة بعدها التقليدي لتتحول إلى رهان استراتيجي يهدف إلى منع انزلاق المنطقة نحو انفجار أمني جديد، بكل ما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية.
رافق صعود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى طائرة العودة من إسطنبول مساء الجمعة الماضي، عقب زيارة استمرت يوماً واحداً التقى خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، قناعة بأن أنقرة تتحرك لدمج الوساطة الدبلوماسية مع حماية مصالحها الأمنية والإقليمية، مستندة إلى خبرات سابقة، من بينها تعاملها مع الملف النووي الإيراني نفسه.
تأتي الجهود التركية في إطار تحريك وساطة تهدف لقطع الطريق على مواجهة عسكرية قابلة للاتساع، خصوصاً وأن إسرائيل تريد استغلال التوتر لتصفية حسابات مع إيران
تعترض طريق أنقرة عقبات كثيرة أبرزها: انعدام الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران، ووجود ملفات سياسية وأمنية واقتصادية عالقة منذ سنوات، فضلاً عن صب الزيت الإسرائيلي فوق نار التوتر لتأجيجها قدر المستطاع. ومع ذلك تظل تركيا متفائلة بأن ما تبذله من جهد وسط لعبة توازنات دقيقة، بين التلويح باستخدام القوة والرهان على خيط الدبلوماسية الرفيع المتبقي، سيمنع انفجاراً إقليمياً ويعزز موقعها كلاعب رئيسي قادر على التأثير في تغيير مسار ملف مزمن وبالغ التعقيد.
اختلاف أولويات واشنطن وطهران، والضغط الإسرائيلي، والتشابك الإقليمي تجعل نجاح الوساطة اختباراً دقيقاً لقدرة تركيا على الموازنة بين الأمن والمصالح. من هنا تأتي الجهود التركية في إطار تحريك وساطة تهدف لقطع الطريق على مواجهة عسكرية قابلة للاتساع، خصوصاً وأن إسرائيل تريد استغلال التوتر لتصفية حسابات مع إيران بعد فشل محاولة وصولها لتحقيق أهدافها خلال حرب 12 يوماً في حزيران المنصرم.
مجرد انعقاد هذه الزيارة في مثل هذه اللحظات الحساسة يشير إلى أهمية ما تقوم به أنقرة وسط غياب حديث عن وساطات حقيقية استطاعت حتى الآن تسجيل أي اختراق ملموس.
يصبح الدور التركي في هذا الواقع المعقد، أكثر من مجرد وساطة، إنه اختبار لقدرة أنقرة على الموازنة بين الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات الدولية، مع إقناع الطرفين بأن منطق التهدئة قد يفتح الطريق امام نتائج مرضية.
تجد تركيا نفسها اليوم في قلب الصراع بين واشنطن وطهران، حيث تتسابق الخيارات العسكرية مع الجهود الدبلوماسية، ويصبح مرة أخرى قانون القوة أقوى من قوة القانون. هناك خطر تحول حدودها الشرقية، التي تمتد لمئات الكيلومترات مع إيران، إلى ساحة موجات لجوء سبق وعاشتها مع دول الجوار لسنوات طويلة، إلى جانب تهديدات أمنية مباشرة تستفيد منها المجموعات الإرهابية لاختراق العمق التركي.
يصبح الدور التركي في هذا الواقع المعقد، أكثر من مجرد وساطة، إنه اختبار لقدرة أنقرة على الموازنة بين الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات الدولية، مع إقناع الطرفين بأن منطق التهدئة قد يفتح الطريق أمام نتائج مرضية. من هنا يمنح نجاح الوساطة تركيا فرصة تعزيز مكانتها كلاعب إقليمي موثوق، قادر على التأثير في مسار الأزمة من دون الانخراط المباشر في الصراع.
وضعت تركيا بالتنسيق مع شركاء وحلفاء عرب وغربيين استراتيجية تحرك متعددة الجوانب، مستغلة موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها بطرفي النزاع لإقناعهما بتجنب مواجهة تحمل ارتدادات وأعباء يصعب محاصرتها عند اشتعال الجبهات.
واضح في هذه اللحظة الدقيقة، حين تتسابق الدبلوماسية مع احتمال الانفجار الأمني، أن أنقرة اختارت أن تكون حلقة الوصل بين طرفي النزاع، محاولة تحويل التوتر إلى حوار، والمخاطر إلى فرص للحفاظ على مصالحها الإقليمية.
فتركيا اليوم في موقع صعب: جارة لإيران، عضو فاعل في حلف عسكري غربي عالمي، وشريك مهم لواشنطن في ملفات إقليمية تتحرك نحو مشهد شرق أوسط جديد. لذلك فمن مصلحتها البقاء خارج خط النار، لكن مضاعفات ما يجري يقول أن الأمور لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل ستصبح مصيدة قابلة للتحول إلى كارثة إقليمية شاملة تطول مصالح كثيرين وتركيا بينهم.
عبر عرض الرئيس أردوغان عقد اجتماع ثلاثي رفيع المستوى، وسلسلة اتصالات وزير الخارجية هاكان فيدان مع المسؤولين الإيرانيين والأميركيين، توجه أنقرة رسالة واضحة بأن الحلول العسكرية العابرة للحدود لن تخدم أحداً، وأن الاستقرار الإقليمي هو الأولوية، وأن الحل العسكري هو آخر الملاذات، وأن إضعاف إيران لصالح اتساع رقعة النفوذ الإسرائيلي مرفوض عربياً وإسلامياً.
تُظهر رسائل بقاء عراقجي واستقبال أردوغان له في اجتماع مطول، واحتمال تواصل أردوغان مع الجانب الأميركي خلال تواجد الوزير الإيراني في إسطنبول، أن أنقرة متمسكة بجهودها في العلن وخلف الكواليس لخفض التوترات والعودة إلى مسار الدبلوماسية.
المنطقة كما يقول الرئيس التركي لا يمكنها التسامح مع تزايد انعدام الأمن، والدبلوماسية هي الحل الوحيد للقضية النووية الإيرانية، وتركيا مستعدة لبذل أي جهود جادة في هذا الصدد.
ليست الوساطة التركية مجرد خيار سياسي، بل رهان استراتيجي، والهدف التركي ليس الانتصار على طرف أو فرض رؤية، بل منع انفجار شامل يهدد استقرار المنطقة وأمنها.
من هنا يصبح التحرك التركي في هذا الواقع المضطرب، أكثر من مجرد خيار سياسي، إنه اختبار لقدرة أنقرة على الموازنة بين الأمن القومي، والتوازنات الإقليمية، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات الدولية. الرهان التركي هو على الحوار أولاً، وأن الحل العسكري آخر الملاذات.
المصدر: تلفزيون سوريا






