
ينحو معظم دارسي العلاقات الدولية نحو التمييز بين نمطين في السياسة الخارجية الأميركية، أحدهما تدخّلي تنتهجه الإدارات الديمقراطية، والآخر انعزالي تنتهجه الإدارات الجمهورية، غير أن هذا المنحى يفتقر إلى الدقة، وربما يحتاج مراجعة وإعادة النظر، فالمعطيات التاريخية الموثقة تفيد بأن رؤساء جمهورييين عديدين مارسوا سياسة تدخلية نشطة في مراحل شنت الولايات المتحدة في أثنائها حروباً كبرى، أو تدخلت بعنف في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والعكس صحيح أيضاً. وليس لهذه الحقيقة التاريخية سوى معنى واحد، أن السياسة الخارجية التي انتهجها جميع الرؤساء الأميركيين، الجمهوريون منهم والديمقراطيون، استندت دوما إلى حساباتٍ تتعلق برؤية هؤلاء الرؤساء للمصالح الأميركية وحدها، وليس إلى نوع من الحسابات الأيديولوجية أو القانونية أو القيمية، وأن هذه السياسة كانت لها وجهة واحدة مستمرّة: التوسّع والهيمنة.
للولايات المتحدة، بوصفها دولة، سمات فريدة تميزها عن بقية الدول، بحكم حداثة تكوينها وضخامة مواردها وقدرتها على التأثير على مسار النظام العالمي، سلباً أو إيجاباً. وقد انعكست هذه السمات بوضوح على سياساتها الخارجية التي غلبت عليها النزعة التوسّعية والرغبة في الهيمنة، ربما بدافع من الإحساس العميق بالتفوق والاختلاف عن الآخرين، فقد تشكلت هذه الدولة في البداية من 13 ولاية فقط، كانت في الأصل مستعمرات بريطانية حصلت على استقلالها عام 1776، ثم راحت تتوسّع تدريجياً داخل محيطها المباشر، بالشراء أو الضم أو الاستيلاء أو إشعال الثورات والاضطرابات في الدول المجاورة، إلى أن أصبحت 50 ولاية. وفي كل مرة تشعر فيها أنها تقف على قدمين ثابتتين، وقادرة على تحدّى الأطماع الخارجية في محيطها الإقليمي، كانت تتطلع دوماً نحو مد نفوذها إلى أبعد نقطة تستطيع الوصول إليها، ما يفسّر نجاحها في تحويل نصف الكرة الغربي إلى منطقة نفوذ أميركية خالصة، بموجب مبدأ مونرو لعام 1823، الذي منع الدول الأوروبية من التدخل في الشؤون الداخلية لدول هذه المنطقة بالكامل. وحين بدأ نفوذها الاقتصادي والمالي يتمدّد خارج هذه المنطقة، وراح يتغلل داخل القارّة الأوروبية نفسها، بدأت الولايات المتحدة تتطلع إلى ممارسة دور القوة العظمى القادرة على التأثير في مسار النظام الدولي ككل، وهو ما يفسر انخراطها في حربين عالميتين ساهمت بقوة في حسمهما لصالح معسكر حلفائها. ولأنها برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية أعظم قوة، فقد بدأت تتهيأ، منذ ذلك الحين، للولوج إلى حلبة المنافسة على قمة النظام العالمي عليه، بل وتتطلع إلى الهيمنة عليه، ما يفسّر قيادتها المعسكر الغربي في النظام الدولي ثنائي القطبية الذي استقرّ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم انفرادها بالهيمنة على النظام الدولي الذي تحوّل إلى نظام أحادي القطبية، عقب انتصارها في الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي. ولأن انفرادها بالهيمنة لم يستمرّ طويلاً بعد تمكن روسيا من استعادة عافيتها وبروز الصين قوة عظمى تتطلع إلى المنافسة على قمة نظام عالمي يتجه نحو التعدّدية القطبية، فقد بدأ الوزن النسبي للولايات المتحدة يتراجع، ويغري القوى الأخرى بالعمل على زحزحتها عن موقعها المهيمن، ما يفسّر حالة الأزمة التي تعيشها في المرحلة الراهنة، وهي أزمة تعود جذورها إلى إصرار الولايات المتحدة على عدم المشاركة بفاعلية في المؤسّسات الدولية إلا من موقع المهيمن على النظام الدولي، فحين تخلت الولايات المتحدة عن مبدأ مونرو، واضطرّت للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، بعد ما يقرب من قرن من رفض الانغماس في الشؤون الأوربية، تصور الرئيس وودرو ويلسون أن الدفاع عن المصالح الأميركية بات يتطلب قيادة نظام دولي تتولى مؤسساته تقديم ضمانات متبادلة للدول الأعضاء في إطار منظومة للأمن الجماعي، ما يفسر دوره المحوري في مؤتمر الصلح ورئاسته اللجنة التي قامت بصياغة عهد “عصبة الأمم”. ولأن الرأي العام الأميركي لم يكن قد وصل بعد إلى درجة النضج التي تتيح له الموافقة على خطوة جسورة إلى هذا الحد، لم يتمكن ويلسون من إقناع الكونغرس بالتصديق على عهد العصبة، ومن ثم لم تصبح الولايات المتحدة عضواً في المنظمة التي لعب الرئيس الأميركي الدور الأهم في مرحلتها التأسيسية، ما أدّى إلى إضعافها وانهيارها باندلاع حرب عالمية ثانية، اضطرّت الولايات المتحدة للمشاركة فيها من جديد، لكن الوضع الداخلي اختلف هذه المرّة لأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي عملا معاً لتهيئة الرأي العام الأميركي ليس لضمان مشاركة الولايات المتحدة في عضوية “الأمم المتحدة” فحسب، ولكن لتكون نيويورك مقرها الدائم أيضاً.
لا تستطيع الولايات المتحدة إقامة منظمة بديلة للأمم المتحدة، لكنها تستطيع إقامة مؤسّسة موازية لها، وهو تطوّرٌ بالغ الخطورة
كانت الولايات المتحدة تتوجس خيفة للمشاركة، ولأول مرة في تاريخها، في منظمة دولية مسؤولة عن حفظ السلم والأمن في العالم، غير أن تلك المشاركة أتاحت لها تحقيق عدة مزايا استراتيجية كبرى: منبر دائم مقيم على أرضها تستطيع أن تتعرّف من خلاله على مجمل (ودقائق) الشؤون الدولية، وشبكة اتصالات وقنوات دبلوماسية مفتوحة، بأقل تكلفة، مع الأغلبية الساحقة من الدول، في وقت كانت فيه هذه الدولة الكبرى حديثة العهد وقليلة الخبرة بالشؤون الدولية تهيئ نفسها، وتتطلع إلى تولي مسؤوليات عالمية كبرى. ولأنه لم يكن في وسع المنظمة الدولية الوليدة تقييد إرادة الولايات المتحدة أو تعطيل خططها في شيء، بسبب امتلاكها مقعداً دائماً في مجلس الأمن، يضمن لها حق النقض (الفيتو)، وتمتّعها في الجمعية العامة بنفوذ كاسح ضمن لها “أغلبية أوتوماتيكية”، تمكّنها من تمرير مشروعات القرارات التي تريدها، فقد حظيت بوضع مميز داخل الأمم المتحدة، سمح لها بسيطرة شبه مطلقة على آليات صنع القرار فيها طوال الخمسينيات والستينيات، مكّنتها حتى من حرمان حكومة الصين الشعبية من تمثيل الصين في الأمم المتحدة حتى بداية السبعينيات. غير أن هذا الوضع بدأ يتغيّر عقب حصول العديد من المستعمرات على استقلالها وانضمامها إلى الأمم المتحدة، ومن ثم لم يكن بمقدور الولايات المتحدة ضمان “الأغلبية الأتوماتيكية” التي اعتادت عليها في الجمعية العامة، وبدأت تلجأ، بشكل مضطرد، لاستخدام “الفيتو” في مجلس الأمن، خصوصاً لحماية إسرائيل، إلى أن أصبحت الدولة الأكثر استخداماً لـ”الفيتو”.
لاحت فرص عديدة لإعادة إحياء نظام الأمن الجماعي، مرّة بعد وصول غورباتشوف إلى السلطة، وثانية إبّان أزمة احتلال الكويت عام 1990، ومرّات كثيرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، غير أن الولايات المتحدة تعمّدت إهدارها
ساد بعض الوقت انطباع لدى بعض الباحثين أن الحرب الباردة هي التي تسبّبت في إصابة نظام “الأمن الجماعي” بالشلل، ومن ثم فإن انتهاءها سيؤدي تلقائياً إلى إعادة تنشيطه أو إحيائه، غير أنه سرعان ما تبينت استحالة تحقيق ذلك في نظام أحادي القطبية أصبح حقيقة، فقد لاحت فرص عديدة لإعادة إحياء نظام الأمن الجماعي، مرّة بعد وصول غورباتشوف إلى السلطة، ومرة ثانية إبّان أزمة احتلال الكويت عام 1990، ومرّات كثيرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، غير أن الولايات المتحدة تعمّدت إهدارها، بل وأدارت أزمة الكويت بطريقةٍ عجّلت في هذا السقوط. وبعد أن تمكنت من الهيمنة المنفردة على النظام الدولي، سعت إلى استخدام أجهزة الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن، أدواتٍ لإحكام هذه الهيمنة. وبدلاً من حل حلف الناتو وتصفيته، بعد انتفاء مبرّرات وجوده بسقوط حلف وارسو، تعمّدت تقوية دعائمه ومد نطاق نفوذه، عبر موجات متتالية من ضم أعضاء جدد، ثم راح العداء الأميركي للمؤسّسات الدولية والدبلوماسية متعدّدة الأطراف يتصاعد تدريجيّاً إلى أن وصل إلى ذروته في عهد ترامب، فخلال فترة ولايته الأولى، انسحب من اتفاق باريس للمناخ، ومن منظمة الصحة العالمية، ومن يونسكو، ومن معاهدة القوى النووية المتوسّطة مع روسيا، وألغى الاتفاق النووي مع إيران. وفي فترة ولايته الثانية، لم يكتف بالانسحاب من المنظمات والاتفاقات التي عادت إليها الولايات المتحدة في عهد بايدن، لكنه وقّع في 7 يناير/كانون الثاني على أمر تنفيذي يقضي بالانسحاب من 66 منظمة دولية وكياناً جديداً، منها مؤسسات أممية وغير أممية، وراح يواصل، في الوقت نفسه، أشكالا متعدّدة من الضغوط، وصلت إلى حد الوقف الفوري للتمويل والامتناع عن المشاركة في أنشطة مؤسّساتٍ عديدة. وفي أثناء مشاركته في مؤتمر دافوس، أعلن عن تأسيس “مجلس السلام”، ودعا دولاً كثيرة إلى التوقيع على ميثاقه. ولأن المادة الأولى منه تنصّ على أن المجلس “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضرّرة أو المهددة بالنزاعات”، فقد رأى فيه بعضهم محاولة لإقامة منظمة بديلة للأمم المتحدة.
لا تستطيع الولايات المتحدة إقامة منظمة بديلة للأمم المتحدة، لكنها تستطيع إقامة مؤسّسة موازية لها، وهو تطوّرٌ بالغ الخطورة، لأنه يعني أن الدولة الأقوى لم تعد ترى في الأمم المتحدة مؤسّسة ممثلة للنظام الدولي بصورته الحالية. ولأن مسيرة التنظيم الدولي، التي بدأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تؤكّد أن الولايات المتحدة لا تشارك بفاعلية في المؤسّسات العالمية إلا إذا ضمنت أن تهيمن عليها، وحيث أنها لم تعد قوة مهيمنة على النظام الدولي، لم يعد أمامها سوى الاختبار بين بديلين: الانسحاب من الأمم المتحدة وإقامة منظمة عالمية بديلة، وهو ما لا تستطيعه ولا يحقق مصلحتها في الوقت نفسه، أو إضعاف الأمم المتحدة إلى حد تجميد قدرتها على الاضطلاع بوظيفها الأساسية في تحقيق السلم والأمن الدوليين، بالتوازي مع العمل على إقامة مؤسسة دولية من الراغبين، تستطيع التحكّم فيها والسيطرة عليها، وهو البديل الذي يبدو أن اختيار ترامب وقع عليه حين قرّر تأسيس “مجلس السلام”.
المصدر: العربي الجديد






