ترامب: منطق الصفقة وعقيدة القوة

عبد الصمد بن شريف

تحكم رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العالم مقاربةٌ اختزالية تستعير منطق رجل الأعمال أكثر مما تستلهم قواعد السياسة الدولية. فالعلاقات بين الدول، في تصوره، لا تُقاس بمنظومات التحالف، ولا بقواعد القانون الدولي، ولا بمنطق التوازنات الجيو – سياسية الدقيقة، بل بعدد الصفقات الموقَّعة، وحجم الرسوم الجمركية المفروضة، ومقدار الربح والخسارة المباشرين. السياسة، وفق هذا المنظور، تتحول إلى سوق كبرى، والدول إلى زبائن أو خصوم، وفق ميزان القوة والمصلحة الآنية.
ولا غرابة في ذلك إذا ما استحضرنا أن ترامب، سعياً إلى بناء إدارة قوية وضاربة، لم يتكئ على النخب السياسية التقليدية أو المؤسّسات العريقة للدولة الأميركية، بل عمد إلى تشكيل ما يمكن تسميته “المربع الذهبي”: تحالف غير مسبوق يضم أغنى أثرياء الولايات المتحدة وأباطرة الشركات العملاقة، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا. وفي قلب هذا التحالف، يبرز إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، وقد جرى إدماجه مباشرة في دوائر القرار، إلى جانب شخصياتٍ نافذة أخرى، مثل مارك زوكربيرغ، مالك “ميتا” ومنصّاتها، وجيف بيزوس، مالك “أمازون” وصحيفة واشنطن بوست.
يمثل هذا التحالف تحوّلاً نوعيّاً في بنية السلطة داخل الولايات المتحدة، إذ لم يعد النفوذ الاقتصادي داعماً للسياسة فحسب، بل صار جزءاً مكوِّناً منها. وهو ما دفع عدداً متزايداً من المحللين إلى التحذير من تشكّل أوليغارشية جديدة ذات طموحات عابرة للحدود، تهدّد الديمقراطية الأميركية نفسها، بسبب التداخل الخطير بين المصالح العامة والمصالح الخاصة. وبين السلطة السياسية والهيمنة الاقتصادية والإعلامية.
ليس ترامب مجرّد رئيس مثير للجدل، بل ظاهرة مركّبة تتطلب قراءة متعددة المناهج: نفسية، سياسية، اقتصادية، وجيو-استراتيجية
ولا يقتصر خطر هذه الأوليغارشية على الداخل الأميركي، بل يمتد إلى مناطق مختلفة، ولا سيما في ما يتعلق بحرية تداول المعلومات، فحين تجتمع الثروة الهائلة مع السيطرة على وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، يصبح الوصول إلى المعلومة الدقيقة والموضوعية مسألة خاضعة لمنطق المصالح لا لمبدأ الحق العام. وما يُروَّج من خطاب بشأن “حرية التعبير” و”فتح المجال للجميع” ليس سوى واجهة برّاقة تخفي وراءها منظومات معقدة من الرقابة والتحكّم الخوارزمي، التي تُقصي الآراء المخالفة وتُضخم الخطابات المنسجمة مع توجهات اليمين المحافظ والمتطرف.
في هذا السياق، تبدو سردية “هيمنة الثقافة اليسارية” التي تروّجها هذه النخب مجرّد أداة سياسية تعبوية، لا توصيفاً دقيقاً للواقع. فاليمين الأميركي، وخصوصاً في نسخته المحافظة والمتطرّفة، اشتغل، منذ أكثر من عقد ونصف العقد، على كسب معركة الفضاء الرقمي، واستثمر بكثافة في هندسة الخوارزميات، وصناعة الرأي، وتوجيه النقاش العام بما يخدم مشروعه في السيطرة السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
على المستوى الجيو – سياسي، يكشف سلوك ترامب عن نزوع واضح نحو إعادة إحياء منطق “الدولة المتوحشة”، التي لا تؤمن إلا بقانون الأقوى، عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسيّاً. ويظهر ذلك جليّاً في مواقفه من حلفائه قبل خصومه: من إصراره المعلن على ضم جزيرة غرينلاند، إلى استفزازه المتكرّر كندا، عبر الدعوة إلى تحويلها إلى “ولاية أميركية”، مروراً بإهانته العلنية لحلفائه الأوروبيين، سواء في منتدى دافوس أو في إطار حلف شمال الأطلسي، حين اتهمهم بالضعف والاتكال على الحماية الأميركية.
يقدم الرئيس الأميركي ترامب نفسه إمبراطوراً معاصراً، أو حاكماً مطلقاً للعالم، يهدد ويفرض ويعاقب ويغزو، ويستخف بقواعد العلاقات الدولية
هذه السياسة، التي تقوم على استعراض القوة واحتقار الشركاء، لا تُضعف فقط منظومات التحالف التقليدية، بل تُقوّض أسس النظام الدولي القائم على التوازن والتوافق والاحترام المتبادل، فترامب لا يرى في المؤسّسات الأممية سوى قيود تعرقل إرادته، ولا يتردد في تقويضها أو تجاوزها متى تعارضت مع مصالحه المباشرة أو مع نزعته النرجسية المتضخمة.
وتبلغ هذه النزعة ذروتها في تبنيه الصريح شريعة القوة سياسةَ دولة.
لا تبدو لشهية ترامب في التوسع والتمدد حدود، سواء عبر التهديد باستخدام القوة العسكرية، أو عبر ممارسات أقرب إلى منطق المافيا السياسية، من قبيل الاختطاف والضغط والابتزاز. وما التهديد المتكرّر بإسقاط النظام الإيراني بذريعة الانتقام للمتظاهرين الذين قتلوا بسبب إطلاق النار عليهم من قوات الأمن إلا مثال صارخ على ازدواجية المعايير، حين يصدُر هذا الخطاب عن رئيس تتورّط أجهزته الأمنية في بلاده في إطلاق النار على مواطنين أميركيين أبرياء، من دون أن يحرّك هذا ضميره أو خطابه الأخلاقي، فيما يلجأ إلى منطق المزايدات ويوظف خطاباً شعبوياً عندما يتعلق بأحداث دموية خارجية.
وكأن قلبه مليئاً بالرحمة والمشاعر الإنسانية، وعقله يضج بقيم التضامن والدفاع عن الديمقراطية وكرامة الشعوب وحريتها في تقرير اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تقويض المؤسّسات الأممية، وتهميش القانون الدولي، وتطبيع منطق القوة والغزو والابتزاز، لا يهدّد فقط سيادة الدول الضعيفة، بل يضع الإنسانية جمعاء أمام منحدر خطير
ليس ترامب مجرّد رئيس مثير للجدل، بل ظاهرة مركّبة تتطلب قراءة متعددة المناهج: نفسية، سياسية، اقتصادية، وجيو-استراتيجية، فهو يقدم نفسه إمبراطوراً معاصراً، أو حاكماً مطلقاً للعالم، يهدد ويفرض ويعاقب ويغزو، ويستخف بقواعد العلاقات الدولية التي ضمنت، رغم كل هشاشتها، قدراً من الاستقرار العالمي أكثر من ثمانين عاماً. وإعلانه في دافوس تأسيس مجلس السلام العالمي تجلٍّ إضافي لنزعته الانشقاقية، ورغبته في إنشاء أطر بديلة، تُدار بمنطق الزعامة الفردية لا بالقانون الدولي. وهو توجّه ينذر بتفكيك النظام العالمي، الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وصمد أمام أزمات كبرى ونزاعات خطيرة، وخرج سالماً من الحروب الباردة والساخنة التي كانت على أشدّها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقاً.
تأسيساً على ما سبق، نتساءل هل يقودنا مذهب ترامب الإمبريالي إلى أفق غامض ومستقبل مجهول، تُشرعن فيه القوة العسكرية، وتُنتهك سيادة الدول، وتُهدم القواعد والمعايير التي نظمت التعايش الدولي لعقود؟ لا تهمّ الإجابة عن هذا السؤال الولايات المتحدة وحدها، بل تمسّ مصير العالم بأسره. وفي نهاية المطاف، ليست خطورة الظاهرة الترامبية فقط في نزعتها السلطوية أو في تحالفها مع أوليغارشيات المال والتكنولوجيا، بل في ما تدشنه من سلوكات خطيرة وغير مسبوقة على مستوى الشرعية الدولية، فحين تُختزل حقوق الإنسان في أدوات انتقائية، وتُستعمل قيم الديمقراطية ذريعة للتدخّل والتهديد، بينما تُنتهك هذه القيم نفسها داخل الدول التي ترفع شعارها، فإن النظام الدولي يفقد أساسه الأخلاقي، قبل أن يفقد توازنه السياسي.
تقويض المؤسّسات الأممية، وتهميش القانون الدولي، وتطبيع منطق القوة والغزو والابتزاز، لا يهدّد فقط سيادة الدول الضعيفة، بل يضع الإنسانية جمعاء أمام منحدر خطير، تُفرغ فيه القواعد المشتركة من معناها، ويُفتح الباب أمام عالم تحكمه شريعة الأقوى، لا عدالة القانون. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى استعادة دور المنظمات الدولية، وتجديد الالتزام الكوني بحقوق الإنسان، والدفاع عن التعدّدية والتعاون بين الدول، بوصفها آخر خطوط الدفاع أمام انزلاق العالم نحو فوضى شاملة لا رابح فيها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى