من هو “المؤمن” في سوريا؟

إياد الجعفري

كانت موفقة تلك الحملة التي أطلقها نشطاء وحقوقيون وإعلاميون سوريون، منتقدين فيها تعميم محافظ اللاذقية الخاص بمنع المكياج. وعلى محدودية أهمية الحدث، في خضم أحداث كبرى يعج بها المشهد السياسي والاقتصادي والأمني السوري، يبقى أن لدفاع النشطاء السوريين عن الحرية كقيمة عليا، أثراً ملحاً يمنع تطاول شخصيات وقوى تتملكها رؤى أيدلوجية، إن تُرك لها العنان، لأخذت البلاد نحو مسارٍ لا يتناسب مع تطلعات السوريين وتنوع مشاربهم وعقائدهم. بل، ولا يخدم تطلعات الصف الأول من القيادة، الراغب بدفع البلاد نحو جذب المستثمرين وإعادة الإعمار، وتحريك المشهد السياحي.
وكما هو معلوم، فقد شهدت الأشهر الأولى من “العهد الجديد”، عدداً كبيراً من التجاوزات الفردية لعناصر أمن و”مسؤولين” استهدفوا تقييد الحريات الشخصية، تحديداً منها الخاصة باللباس والمظهر، قبل أن يتم ضبط هذه الموجة، بصورة ملحوظة. ويمكن الإقرار، وفق المشاهدات على الأرض، بأن الحريات الشخصية مكفولة على نطاق واسع. لكن، يمكن تسجيل مؤشرات مقاومة من جانب فريق داخل تركيبة السلطة، كان يريد لها أن تلتزم برؤية دينية محافظة لإدارة الدولة والمجتمع. تتجلى هذه المؤشرات بإجراءات وتعميمات من قبيل تعميم محافظة اللاذقية الأخير، الذي من الصعب “هضمه”، بوصفه تنظيماً للمظهر الوظيفي أو لبيئة العمل الرسمية، حسب التوضيح الرسمي الصادر عن مديرية إعلام المحافظة.
الإيمان قضية غيبية قلبية، لا يعلمها إلا الله. فنحن نستطيع أن نقول عن فلانٍ، مسلماً، إن أعلن ذلك. أما أن نقول عنه “مؤمناً”، فذلك يعني أننا نحكم على ما قلبه، والذي لا يعلم ما فيه، إلا الله.
بعد غيبة 13 عاماً عن البلاد، تلقى كاتب هذه السطور صدمة في الرسالة التي احتوتها أول خطبة جمعة حضرها في إحدى مساجد العاصمة دمشق. فالخطيب روى القصة الشهيرة من صحيح البخاري، الذي يلفت فيها النبي إلى كيفية تقييم المجتمع للناس، بناءً على غناهم ونسبهم، فإن كانوا من الأشراف (ثراءً ونسباً)، يُزوَجون ويُؤخَذ بآرائهم ويحظون بالاحترام والتقدير في المجتمع. وإن كانوا من فقراء القوم (مالاً ونسباً)، لا يُزوَجون ولا يُؤخَذ بآرائهم، ويتم الحط من قيمتهم في المجتمع. وقد أعطى النبي، وفق القصة الشهيرة، درساً عملياً أفهم فيه “صحابته”، أن فقيراً وغير ذي نسب، قد يكون خيراً بعشرات المرات، مقارنة بثري ذي نسب، عند الله.
ولوهلة، ظن كاتب هذه السطور، أن الخطيب يلمح إلى “التسوية” مع محمد حمشو. وقد أكد –ونتفق معه- أن مجتمعنا حتى اليوم، ما يزال يقدّر الثري ذا النسب، ويحط من شأن الفقير. لكن، وبدلاً من أن تكون الرسالة المستخلصة من هذا الدرس، أن تقييم الناس وتقديرهم لا يجب أن يرتبط بثراء جيوبهم، ذهب الخطيب إلى أننا في هذا “العهد الجديد”، وقد منّ الله علينا أن خلّصنا من “الطاغوت”، علينا أن نرفع من شأن “المؤمن”، ونخفض من شأن غير “المؤمن”. لكن لم يخبرنا الخطيب: كيف نحدد من هو “المؤمن”؟
بطبيعة الحال، لا يجوز التعميم عبر مضمون الخطبة المشار إليها. لكن يمكن لحظ أصداء هذه الرسالة ذاتها في كثير من مشاهد الحياة الرسمية وحتى اليومية في سوريا. وهي إشكالية كبرى، لا تخدم الدين ذاته، لمن يخشى على الدين فعلاً. فتقييم الناس، والرفع من شأنهم بناء على ما يظهرونه من مظاهر تديّن، وصولاً إلى فرض قيود على اللباس والمظهر في المجتمع وبين العاملين في مؤسسات الدولة، يؤسس لمجتمع منافقين، لا لمجتمع “مؤمنين”. ورغم أن كاتب هذه السطور، ليس عالماً في الدين، لكن من المعلوم له، وفق المتعارف عليه في العقيدة الإسلامية، أن الإيمان قضية غيبية قلبية، لا يعلمها إلا الله. فنحن نستطيع أن نقول عن فلانٍ، مسلماً، إن أعلن ذلك. أما أن نقول عنه “مؤمناً”، فذلك يعني أننا نحكم على ما قلبه، والذي لا يعلم ما فيه، إلا الله.
أن يكون معيار تعيين المسؤول صاحب القرار، هو التديّن، لا الكفاءة. وهو ما يؤسس لدولة ضعيفة بالمهارات والكفاءات.
أخطر ما في هذا التوجه، “الإعلاء من المؤمنين”، جوانب ثلاثة: الأول، أنه يخلق مجتمعاً من المتزلفين باسم الدين، عبر إظهار التديّن. وهو ما يضرّ بالدين ذاته، فيحوله إلى أداة تذكرنا بزمن “الممانعة والمقاومة” لإسرائيل، التي تحولت إلى نكتة سمجة حتى بات كثير من السوريين يرون في إسرائيل أقل شراً من شركاء لهم في الوطن. فتصوروا أن يتحول الدين، بسبب المتزلفين باسمه، إلى وضعٍ شبيه بأيدلوجية “المقاومة”! والجانب الثاني: أن ذلك ينتقص من حقوق المساواة لغير المسلمين، أو غير المنتمين لمذهب الأكثرية، مما يؤسس لمظلوميات جديدة تتعمق تحت الرماد لتنفجر في لحظة ما في المستقبل. أما الجانب الثالث: أن يكون معيار تعيين المسؤول صاحب القرار، هو التديّن، لا الكفاءة. وهو ما يؤسس لدولة ضعيفة بالمهارات والكفاءات.
لا نقول إن التوجه الذي فصلنا مخاطره، أعلاه، يحكم المشهد الحكومي، اليوم، تماماً. لكنه جلي. يكفي أن نقرّ بظاهرة “الشيوخ” في كل دائرة ومؤسسة حيوية في البلاد. وهم ليسوا “علماء دين”، بقدر ما هم شخصيات مؤتمنة من جانب السلطة، تراهن عليهم في إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة. لكن إطلاق تسمية “الشيخ” على كلٍ منهم، مؤشر للتوجه المشار إليه أعلاه، في أن التديّن معيار للتفاضل بين المتنافسين للتقرّب من السلطة. وهي مقدمة، إن ذهبنا إلى خواتيمها النهائية، فستجهض كل طموحات الإعمار وجذب المستثمرين وإعادة إحياء سوريا كبلد جاذب للسياح. والأهم، أنها ستفسد التديّن، وتحوله إلى “بزنس” اجتماعي وسلطوي، لا يليق بالدين ذاته.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى