هل ترامب من يقرّر عن إسرائيل اليوم؟

رندة حيدر

يقضّ هذا السؤال مضاجع الإسرائيليين منذ فترة، على الرغم من العلاقة الشخصية الحميمة التي تجمع بين ترامب ونتنياهو، والعلاقات المميزة التي تتمتع بها إسرائيل لدى الإدارة الأميركية الحالية. وما يثير قلق الإسرائيليين حالياً الفجوات في المواقف بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن عدة موضوعات حسّاسة وخطرة في طليعتها تطورات الوضع في غزّة، في ظل تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب؛ وتعثر عملية نزع سلاح حزب الله في لبنان؛ والموقف من الحكم الجديد في سورية برئاسة أحمد الشرع الذي يصرّ محللون إسرائيليون على تسميته باسمه السابق الجولاني، للتذكير بماضيه الجهادي، وأيضاً الهجوم الأميركي على إيران.
إذا أخذنا مثلاً تطورات الوضع في قطاع غزّة، يبرز بوضوح أن من يقود العملية برمتها هناك هو الرئيس دونالد ترامب، بدءاً من الإعلان عن خطة العشرين بنداً في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ووافق عليها مجلس الأمن بقرار رقم 2803 في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وإعلانه في 15 يناير/ كانون الثاني الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة التي تقضي بترسيخ الاستقرار وإعادة إعمار القطاع، على الرغم من التحفّظات الإسرائيلية على البدء بالمرحلة الثانية، وتعيينه مجلساً للسلام، وتكليف جنرال أميركي بمهمة قيادة قوة الاستقرار الدولية في القطاع، وأخيراً استجابة نتنياهو على مضض لطلب ترامب فتح معبر رفح.
إسرائيل مقتنعة بعدم قدرة الجيش اللبناني على القيام بمهمّة نزع سلاح حزب الله، بينما الأميركيون ما زالوا يريدون
من يراقب المشهد الإسرائيلي يلاحظ أن إسرائيل تنجرّ جرّاً إلى تطبيق خطة ترامب. ومع مرور الوقت، تزداد الفجوات التي تفصل بين الموقف الإسرائيلي وموقف الإدارة الأميركية. ويبدو عموماً أن إسرائيل غير راضية بتاتاً عن البدء الآن بالمرحلة الثانية من الخطة، ولديها تساؤلات وشكوك ومخاوف كثيرة بشأن عدة نقاط، بصورة خاصة بشأن الجهة التي ستتولى عملية نزع سلاح “حماس”، ورفضها حالياً القيام بأي انسحابات للجيش الإسرائيلي من شمال القطاع الخاضع لسيطرته الكاملة، واستمرار الجيش الإسرائيلي في هجماته على المناطق التي تسيطر عليها الحركة جنوب القطاع، ناهيك عن عدم ثقة إسرائيل الكبيرة باللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي ستتولى ادارة الشؤون المدنية في القطاع، والتي على الرغم من أن جميع أعضائها من مواليد القطاع، فإن إسرائيل ترى فيها عودة مقنّعة للسلطة الفلسطينية رفض فكرتها نتنياهو طوال فترة الحرب. بالإضافة إلى تجدّد الأمل بإمكانية توحيد الضفة الغربية والقطاع، الأمر الذي حاربه نتنياهو طوال فترات حكمه، من خلال سعيه إلى تعزيز الانقسام الفلسطيني بشتى الوسائل، يُضاف إلى ذلك كله رفض إسرائيل القاطع إشراك تركيا وقطر في عملية إعادة إعمار غزّة وترسيخ الاستقرار فيها.
في ما يتعلق بموضوع نزع سلاح حزب الله في لبنان، إسرائيل مقتنعة بعدم قدرة الجيش اللبناني على القيام بهذه المهمة الشاقة، بينما الأميركيون ما زالوا يريدون إعطاء فرصة للجيش والحكومة في لبنان، وما زالوا يتمسّكون بالمسار الدبلوماسي، على الرغم من إعطائهم ضوءاً أخضر للجيش الإسرائيلي للقيام بهجمات محدودة داخل الأراضي اللبنانية، لكن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق في لبنان لا يمكن، على الأرجح، أن تحدُث من دون موافقة ترامب عليها.
تحاول الأبواق الإعلامية التابعة لنتنياهو تسويق مقولة “ترامب جيد لليهود”
والفجوة في الموقف بين إسرائيل وإدارة ترامب حيال حكم أحمد الشرع كبيرة ومعقدة، فإسرائيل غير مستعدة حالياً للانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها فور سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، كما أنها غير مستعدّة للتخلي عن المناطق العازلة التي أنشأتها في الجنوب السوري، ناهيك عن المساعدة العسكرية والمدنية التي قدّمتها وتقدّمها للبلدات الدرزية بعد تعرّضها لعمليات قتل جماعي على أيدي قوات تابعة للنظام، وقوى مسلحة أخرى، وتشجيعها الأصوات الانفصالية بذريعة الدفاع عن “حلف الدم” مع الدروز في فلسطين، ودعماً “للأشقاء” الدروز في الجولان المحتل. ويتعارض هذا مع رغبة الإدارة الأميركية ودعمها استعادة الحكم في سورية سيادته على أراضيه كاملة، كما رأينا ذلك أخيراً من خلال استسلام المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت مدعومة أميركياً إلى السلطات المركزية في دمشق.
بالطبع، لا أحد يجرؤ في إسرائيل على توجيه النقد علناً إلى الرئيس ترامب التي تحاول الأبواق الإعلامية، التابعة لنتنياهو، تسويق مقولة “ترامب جيد لليهود”، لكن الموضوع ليس إذا كان جيداً أو سيئاً، بل تساؤل الإسرائيليين عموماً إلى أي حد ما زال نتنياهو يملك حرية حسم القرارات بشأن موضوعات أساسية تمسّ أمن إسرائيل، مثل مستقبل قطاع غزّة؟ وهل لا يزال لديه هامش المناورة الذي كان يملكه قبل عدوانه الفاشل على الدوحة في الصيف الماضي؟
كتب رون بن يشاي، وهو محلل عسكري مخضرم في إسرائيل، أخيراً: “شئنا أم أبينا، علينا أن نعترف بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يسيطر فقط على جدول الأعمال الأمني – القومي في إسرائيل، بل هو يُملي على الحكومة في القدس الخطوات التي عليها اتخاذها بشأن القضايا الأمنية والسياسية الحساسة”. والظاهر أن الرئيس ترامب في ولايته الثانية وسياسة القوة التي يستخدمها في فرض قراراته لا يثير القلق عند أعدائه فحسب، بل أيضاً لدى أقرب حلفائه: إسرائيل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى