
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا مجرد منصات للتعبير عن الرأي، بل تحولت إلى مساحة تعكس صراعات نفسية وسياسية واجتماعية عميقة. ما يُنشر يومياً من خطاب متطرف، سواء من ناشطين محسوبين على سلطة الحكومة أو من معارضين لها، لا يبقى حبيس الشاشات، بل يمتد أثره إلى الشارع، حيث يرسّخ الانقسام ويغذّي العنف بين أبناء المجتمع الواحد.
اللافت في هذا المشهد هو التحول الحاد في خطاب شخصيات كانت تُقدَّم لسنوات على أنها أصوات للحرية والتغيير. صحفيون وناشطون سوريون دافعوا طويلاً عن حرية التعبير ورفعوا شعاراتها (أو هذا ما حاولوا تصديره من خلال منصاتهم على الأقل)، بات بعضهم اليوم يطالب الحكومة بمنع وسائل إعلام تخالفه، أو يشارك بشكل مباشر في حملات تحريض وتجييش ضد أبناء جلدته. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه حالة فردية، بل كظاهرة تعكس أزمة أعمق في فهم الحرية ومعناها.
هذا النهج لا يعزّز الثقة بين الدولة والمجتمع، بل يوسّع الفجوة بينهما، ويمنح الأصوات المتطرفة على مواقع التواصل شرعية غير مباشرة، حين تبدو وكأنها انعكاس لخطاب رسمي، حتى وإن لم تكن كذلك بالضرورة.
تأثير هذه الآراء المتطرفة على مواقع التواصل يتجاوز حدود النقاش السياسي. فاللغة العنيفة، والتخوين، والتصنيف الحاد، تخلق بيئة نفسية مشحونة تجعل العنف أمراً مبرراً، أو على الأقل مفهوماً، في الوعي الجمعي. الكلمات هنا لا تبقى رمزية، بل تتحول إلى سلوكيات، وتعيد إنتاج منطق الصراع في الحياة اليومية، وتدفع المجتمع نحو مزيد من التشرذم.
في هذا السياق، يبرز دور الإعلام الحكومي كعنصر لا يمكن تجاهله. فقد بات واضحاً أن جزءاً من هذا الإعلام يسير، عبر بعض إعلامييه ومنصاته، نحو خطاب تعبوي وشعبوي مفرط، يفتقر إلى أدنى معايير الحياد والمهنية. وبدلاً من أن يؤدي دوره المفترض في تهدئة التوتر وشرح السياسات وفتح مساحات للنقاش العقلاني، أصبح في حالات كثيرة طرفاً في الاستقطاب، يكرّس خطاب “نحن وهم”، ويغذّي مناخ التخوين والشيطنة. هذا النهج لا يعزّز الثقة بين الدولة والمجتمع، بل يوسّع الفجوة بينهما، ويمنح الأصوات المتطرفة على مواقع التواصل شرعية غير مباشرة، حين تبدو وكأنها انعكاس لخطاب رسمي، حتى وإن لم تكن كذلك بالضرورة.
ما نراه في الفضاء الرقمي السوري ليس مجرد خلافات سياسية، بل اختبار حقيقي لمعنى الحرية والمسؤولية معاً.
وسط هذا الضجيج، يبدو أن من اختار الابتعاد أو الصمت ليس بالضرورة غير مبالٍ، بل قد يكون الطرف الأكثر وعياً. فالصمت هنا ليس انسحاباً، بل موقفاً أخلاقياً من خطاب يرى أن الحرية لا تعني الانخراط في التجييش أو التحريض، بل إدراك تبعات الكلمة وتأثيرها على مجتمع أنهكته سنوات طويلة من القمع والصراع.
تجربة السوريين مع القمع الممتد لعقود جعلت مفهوم الحرية مفهوماً نسبياً، يتغير بتغير المعطيات والظروف. واليوم، تكشف مواقع التواصل هشاشة هذا المفهوم عندما تتحول الحرية إلى أداة لتبرير الإقصاء والعنف، أو عندما يُختزل الرأي العام في أصوات مرتفعة لا تمثل بالضرورة الأغلبية الصامتة.
في النهاية، ما نراه في الفضاء الرقمي السوري ليس مجرد خلافات سياسية، بل اختبار حقيقي لمعنى الحرية والمسؤولية معاً. فإما أن تكون الحرية جسراً نحو مجتمع أكثر تماسكاً ووعياً، أو تتحول، تحت ضغط الشعبوية والتطرف، إلى وقود جديد لصراع لا يبدو أن السوريين قادرون على تحمّل كلفته مرة أخرى.
المصدر: تلفزيون سوريا






