
من كان يظنّ أن قوى عالمية كبرى ستضطر يوماً إلى التذكير بسيادتها واستقلالية قرارها وحرمة أراضيها وحدودها ورفضها التدخّل في شؤونها الداخلية وسياسة “الإملاءات”؟ بعد أن ظلّت هذه العبارات/ الشعارات والخطوط الحمراء مرتبطةً بدول العالم الثالث والمُستعمَرات القديمة حصراً، ترفعها في وجه دول العالم المُصنَّف مزدهراً وديمقراطياً وحراً كلّما انتقدها بسبب سلوك أو قرار أو ممارسة تتنافى ومدوّنات الحقوق والحريات التي يتبنّاها، وحتى مصالحها؛ حتى وإن اختلف الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي بين هذا العالم وذاك، أو كلّما استشعرت دولةٌ متقدّمةٌ إرادةً وتوجّهاً نحو نوع من الاستقلالية في الاختيارات والتحالفات لدى دول ظلّت مرتبطةً بها بأشكال مختلفة عقوداً متتالية، حتى بعد حصولها على استقلالها وإخراج المُستعمِرين من أراضيها.
تتلاشى اليوم الفروقات، وتتقاطع ردّات الفعل الدفاعية، وتتقلّص المسافات بين عالمَين: أول وثالث، أمام بروز نزعة للهيمنة ذات وتيرة سريعة وضاغطة، تتجسّد في “أميركا الجديدة” في عصرها الترامبي العاصف، الذي هو حالياً بصدد تغيير العالم من دون أن يُعلن ذلك بالتصريحات الرسمية، بل بالفعل المصحوب بقصف كلامي يومي، وكل دقيقة تقريباً، بهدف الإنهاك والإرباك وتأكيد إصرار لا يقاوَم للحصول على ما تقرّر أخذه بطريقة أو بأخرى، مع السماح بهامش لعبارات الغضب والتنديد أو الدعوة إلى سبل أخرى للتفاهم… وفي النهاية، وفي كل الأحوال، سيتحقّق ما أراده قائد العالم المتوحّش الجديد.
تتقاطع اليوم ردّات الفعل الدفاعية، وتتقلّص المسافات بين عالمَين، أول وثالث أمام “أميركا ترامب الجديدة”
من مشروع غزّة العقاري إلى فنزويلا ثم غرينلاند، يقفز الرئيس الأميركي في شبه سباق للحواجز، لكن من دون منافسين تقريباً أو حواجز حقيقية. فمنافسوه منشغلون بأزمات أخرى داخلية أو في الجوار، أو أنهم قرّروا عدم مجاراته حفاظاً على مكاسب حقّقوها بعمل دؤوب وجهود عظيمة امتدّت زمناً، لا يجوز هدمها في لحظة غضب أو خوف. أما من هم أقلّ من المنافسين من الحلفاء الأوروبيين المفترضين، فيتملّكهم مزيج من الحيرة والخوف، وتغلب عليهم في النهاية مشاعر بأنهم غير معنيين كثيراً بجوار أميركي محسوم ومحسوب على اشتراكية هم على النقيض منها تماماً.
أما الحواجز، فقد وقع طمسها، لا إزالتها فقط: حواجز الجغرافيا، والحصانة، والحرمة الجسدية، والسيادة، والقانون الدولي، والمعاهدات والمواثيق… كلّها مجتمعةً ديس عليها في أحداث فنزويلا بالذات وبأسلوب صادم ومفجع، فيما العالم لا يزال يخطو بتثاقل بين عام يرحل وعام جديد يبدأ. ولأن ذلك كلّه حدث في بلدٍ لاتينيٍّ كبير بحجمه، وثري بنفطه ورمزيته “الثورية”، ولم يستطع أحد إيقافه و”إفساد” عملية مدهشة بإخراج هوليوودي مرتّب في كل جزئية من جزئياته، فقد عزم ترامب على (أو غامر بِـ) المرور إلى الضحية التالية، وترك للعالم ترف التنديد والشتم والتحليل والاستشراف والتظاهر… أي إنه ترك للعالم “الكلام” فيما احتكر هو قوة الفعل، ولعلّها من المرّات النادرة في عصرنا سريع الإيقاع إذ يشاهد الناس ويقرأون ويسمعون كل شيء تقريباً في لحظة وقوعه. ويبدو بشكل مخيف أن الكلمات لم يعد لها تأثير حقيقي في مجرى الأحداث، وبقيت مجرّد أداة للتنفيس عن الانفعالات في مواجهة القوة.
والحقيقة أن اختبار “القوة أمام الكلمة”، مكتوبةً أو منطوقةً في الفضاء الافتراضي والبيانات والإعلام وفي ساحات التظاهر العالمية، كان قد حدث ولا يزال في حرب غزّة، وأنتج فرزاً بين قطبين رئيسيَّين: أحدهما رفض الحرب وندّد بها وبمرتكبيها على أساس المبدأ لا على أساس الجغرافيا والهُويّة فقط، وقطب آخر اخترع لها شتى المبرّرات ودعمها بالمال والسلاح، واضطر في لحظات عصيبة إلى تنديد محسوب الكلمات والأثر سرعان ما يتداركه بمزيد من الدعم. ومثل هذا القطب هو العالم الغربي الرسمي عموماً، الذي وقع تحت ضغط الشارع والناخبين المحتملين، ثم تنفّس قليلاً مع إعلان وقف إطلاق النار (ولم يكن وقفاً حقيقياً)، فيما بدا أقرب إلى مزاج “حمل وانزاح” وتواطأ مع مشروع استعماري جديد خطير في غزّة، استتر خلف مسمّيات برّاقة لـ”غزّة الجديدة” و”السلام الذي كان يبدو مستحيلاً” و”الشرق الأوسط المزدهر”. ولم يخطر ببال العالم الحضاري الحرّ أنه بهذا التواطؤ إنما يؤسّس لحقبة استعمارية جديدة سيكتوي هو بنارها قريباً… قريباً جداً.
جاءت النبرة الأوروبية عقب اختطاف ترامب لفنزويلا صدىً مشتّتاً، فما حدث احتلال بشكل عصري مبتكر لا يختلف في جوهره عن احتلال مارسه الأوروبيون في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية
تظهر أطماع الكيانات البشرية عادة، منذ القدم وإلى أن تشكّلت الدولة المعاصرة، وتعبّر عنها: إما لفائض في القوة لديها ومنع بروز قوى أخرى تنافسها وتنازعها النفوذ، أو بسبب شحّ الموارد وتقلّصها. وفي الحالتَين، لا تطلب الدولة التي تنوي السيطرة والاستحواذ إذناً قبل أن تمرّ إلى التنفيذ. لكن لأن الزمن تغيّر، فقد اختلطت الدوافع أيضاً وتغيّرت الأساليب. فأميركا اليوم قوة عسكرية، لكنّها تعاني اقتصادياً، وستعاني أكثر أمام ثبات الأداء الاقتصادي للصين إذا ما استمرّ بذات النسق التصاعدي. ويعني ازدهار الصين تآكل الموارد وثروات العالم الطبيعية بحسب الرؤية الاقتصادية الأميركية على المديين، المتوسط والبعيد؛ لذلك يسابق ترامب الزمن ويضع يده على نصيب أميركا منها، ولا يطلب إذناً، بل يمهّد باتهامات للضحية المقبلة أو بالتعبير عن احتياجات الأمن الأميركي في عالم اليوم المليء بالمنافسين. وهكذا، وعلى التوالي، استحوذ على نفط فنزويلا وعلى قرارها السياسي الذي كان “يتآمر على بلاده” ويأتي بـ”الأشرار” إلى حدودها، ثم وضع غرينلاند في عين الإعصار متعلّلاً باحتياجات أمنية ملحّةٍ أمام تهديدات الصين وروسيا في منطقة القطب الشمالي. وحدث ذلك كلّه في زمن قياسي يُقاس بأسابيع قليلة.
كان لافتاً تذبذب ردّات الفعل الغربية (الأوروبية) التي كانت، إلى وقت غير بعيد، حاسمةً بقدرٍ لا يستهان به في تعديل الأوضاع وتوازن المواقف وحتى نبرة الخطاب. لكن النبرة الأوروبية التي تلت اختطاف ترامب لفنزويلا، وليس فقط لرئيسها نيكولاس مادورو، جاءت صدىً مشتّتاً سرعان ما تلاشى؛ لا بسبب حسابات تجاه “حليف” صعب المراس فقط، وقد يستفيدون من عمليته المشهودة، وليس لأن فنزويلا “شأن أميركي” في عالم ترامب الجديد وحسب، بل أيضاً لأن ما حدث احتلال بشكل عصري مبتكر لا يختلف في جوهره عن احتلال مارسه الأوروبيون من قبل في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ولم يكن ترامب يتوقّع منهم أكثر ممّا سمع. إلا أن اتساع دائرة أطماعه إلى حدود أوروبا نفسها غيّر كل شيء، في وقت لا يزال فيه قادتها عالقين في وحل الحرب الأوكرانية التي تكمل عامها الرابع قريباً. احتمال ضياع غرينلاند سبّب رعباً لأوروبا، فانبرت تُذكّر بالسيادة وقدسية القانون الدولي وإرادة الشعوب في اختيار الوضع الذي تريده وأحقيتها في إدارة مواردها بما يناسبها، وكيف أن الحلفاء لا يوجّه بعضهم بوصلة أطماعهم تجاه بعض، في أبلغ مثال على ازدواجية المعايير التي لم تعد تجد من يغطّيها أو يبرّرها.
خلافاً لما يتردّد هنا وهناك عن تهوّر ترامب وخطواته غير المحسوبة، يبرهن قراره أخذ غرينلاند بكل وسيلة ممكنة أنه يدرك جيّداً ما يفعل: بأن يكرّر في زمن مختلف ما فعله الأوروبيون في القرون الماضية إزاء بلدان وشعوب تزخر أراضيها بالثروات وتحتل في الخريطة مواقع استراتيجية مكّنتها من السيطرة على معابر وممرّات وبحار ومحيطات، واستخدمت قطاعات من تلك الشعوب في حروب ومعارك لا ناقة لها فيها ولا جمل، حماية لمناطق نفوذها التي تقاسمتها بينها بالقوة الفجّة تحت ستار دعم الثورة الصناعية والبحث عن أسواق جديدة لتصريف المنتجات ونشر الحضارة والقيم المسيحية في أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء كبيرة من آسيا. وإذا تمعّنا في خطاب ترامب حول أسباب ضمّ غرينلاند، فلن نجد، عدا مسألة نشر الحضارة والقيم، فارقاً جوهرياً في الدوافع الاقتصادية والمصالح والمنافع، مع بعض بهارات العصرنة حين أشار إلى “كلبَين وزلّاجة” تخصّصها حكومة غرينلاند لحماية الجزيرة حسب قوله.
يتحدّى ترامب حلفاءه الأوروبيين، خصوصاً بإعادة سيناريو كتبوه هم سابقاً، ونفّذوه، ثم أعادوا صياغته بشكل جديد حتى بعد إعلان استقلال المُستعمَرات السابقة، من خلال نسج روابط وثيقة، بل خانقة، لا في الاقتصاد فقط، بل في العقل والوجدان، أنتجت أجيالاً متعاقبةً تنظر بلا كلل، وفي لاوعيها، إلى الضفة الأخرى باعتبارها الجنّة الموعودة وأرض الأحلام التي تتحقّق. وقد فشلت (وبشكل عجيب إلى اليوم) جلّ السياسات الوطنية التي أعقبت الاستقلال في إعادة البوصلة إلى الداخل والإيمان به، وعقلنة العلاقة مع المُستعمِر السابق والارتقاء بها إلى أقصى درجات الندّية الممكنة، في وضع محيّر عادت معه شعارات من قبيل “موجة الاستقلال الثاني” على اعتبار أن الاستقلال الأول كان تمهيداً، ولم ينجح رغم مرور سبعة عقود تقريباً في قطع الحبل السري مع المُستعمِر القديم الذي لا يزال ماثلاً في تفاصيل حياة الشعوب “المُحرَّرة”.
يعود التاريخ إلى الوراء ويعيد إنتاج تجربة الاحتلال بأنماط مختلفة وبتواطؤ
والحال هذه، يجد الغرب صعوبةً بالغةً في إعطاء دروس في الاستقلالية للرئيس ترامب، رغم “عنف” ما يعلنه ويعبّر عنه ويقدم عليه، ويشعر بحرج وهو يدافع بشراسة لفظية عن استقلال هذه الجزيرة، ويهدّد بإرسال تعزيزات عسكرية لحمايتها، فيما يلوك كلمات محسوبة وهو يشاهد كيف يُنتزع قطاع غزّة من أهله الناجين ليحوّله أباطرة العقارات إلى منتجع بدأ تصميمه وتقسيمه منذ الأسابيع الأولى من حرب العصر الوحشية. ويراقب كيف يستولي المستوطنون على أراضي الفلسطينيين وماشيتهم وبيوتهم، ويقتلعون أشجار زيتونهم ويبنون الجدران تمهيداً لضمّ الضفة الغربية المُفيدة لهم، في غفلة من الزمن ومن عالم مزدحم بالأزمات يعصف به الخوف من حروب وشيكة أخرى.
بعد عولمةٍ أفقدت المجتمعات كثيراً من خصوصياتها وجمال تنوّعها، وفقدت معها متعة المفاجأة واكتشاف الجديد والمختلف، كان الأمل في بديل يعيد الاعتبار إلى السمات والميزات الخاصّة بكل منطقة أو بلد يعتزّ بها ويحافظ عليها رغم محاولات الطمس المقصودة أو غير المقصودة، ويعلي قيم الاستقلالية والسيادة في الحدود القصوى الممكنة. وهو أمر واقعي ومنطقي تمامًا في عالم اليوم، حيث ترتفع أسوار الحمائية التجارية، وحتى المجتمعية والقيمية، وتواجه الهجرة قيوداً غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وتتعالى دعوات صريحة إلى بقاء الناس في بلدانهم، إذا بالتاريخ يعود إلى الوراء ويعيد إنتاج تجربة الاحتلال بأنماط مختلفة وبشيء من التواطؤ، وكأنّ العقل القيادي في زمننا عاجز عن اجتراح حلول مُبتكَرة لمشاكل مصطنعة تتعلّق أساساً بالهيمنة وفانتازيا التمدد والتوسع والاستباق.
مجرّد النظر إلى خريطة “أميركا الكبرى” التي تعمّد ترامب تعليقها، مقتدياً بخريطة نتنياهو ومستحضراً عقيدة مونرو، وهو يجتمع إلى القادة الأوروبيين، وفيها فنزويلا وكندا وغرينلاند وقد انضمّت إلى قوام الولايات المتحدة، كفيل بفكّ لغز معنى شعار “لنجعل أميركا عظيمةً مرّة أخرى”، وباعث على الخشية من عدوى نزعة الضمّ والتمدّد، والتساؤل الجادّ عن موقع منطقتنا من الإعراب في قاموس “العظمة” الحديثة، أو “قائمة الطعام” على طاولة المتفاوضين على التقسيم، كما في الصورة المُربِكة التي رسمها رئيس الحكومة الكندية مارك كارني في منتدى دافوس أخيراً.
المصدر: العربي الجديد






