
حين كنت مقيما بدمشق طالبا في الجامعة، مازلت أتذكر مشهدا طريفا لرجل رث الثياب، بشعر ولحية لم يمسهما التهذيب منذ فترة طويلة، يقف جانب إشارة مرور ضوئية، يشير بيده للسيارات لتمر، لكن السيارات تظل واقفة لأن إشارة المرور حمراء فيبدو منزعجا أن أوامره لا تلقى الاستجابة، ثم فجأة تمر السيارات فيظهر الانشراح والفرح، لكن السيارات لا تمر استجابة لحركة يده ولكن لأن الاشارة أصبحت خضراء.
دائما أتذكر ذلك المشهد حين أقرأ كتابات بعض المثقفين الذين يكتبون وكأن على الكون أن ينسجم مع إرادتهم ومشاعرهم وليس العكس.
يرتبط أصل كلمة العقل بالفعل عقل بمعنى ربط وقيد فالعقل هو القدرة على تقييد المشاعر المجردة كيلا تذهب بعيدا لتضع صاحبها في دائرة الخطر أو الأذى أو العزلة.
وفي الحقل الاجتماعي يهتم العقل بإدراك ما يحيط بالجماعة، وبالتحديد يهتم بكيف يمكن أن تمتلك الجماعة أكثر العلاقات فائدة لها مع الجماعات الأخرى.
العقل يعتبر الجماعة معطى أوليا فهو لا يصنعها بل يبحث في مصلحتها وكيف تتجنب الأذى أو الخطر.
أسوأ ما يمكن أن يصيب الجماعات أن يتم تقييد العقل بفعل المشاعر بدلا من أن يتم تقييد المشاعر بفعل العقل. وأسوأ درك يمكن الوصول إليه في تقييد العقل هو أن يقوم المثقفون باستخدام ثقافتهم لتقييد العقل وإطلاق يد المشاعر.
لكن كيف يمكن ذلك؟
ببساطة بتقييد أولى وظائف العقل وهي إدراك الواقع أولا. الواقع الذي يشمل الجغرافيا والديموغرافيا وموازين القوى الداخلية والخارجية وغير ذلك. أقصد حين يتم تغييب الواقع بأدوات ثقافية عن طريق التلاعب اللفظي والاهمال المتعمد.
أيضا حين يتم تصعيد المشاعر لتصبح هي المرجع في أي سلوك وموقف.
هكذا تنحدر السياسة ليصبح مرجعها الأعلى من نحب ومن نكره.
ولتصبح مشاعر مثل الكره والثأر والانتقام هي آلهة التفكير.
بذلك تفقد الجماعة مناعتها الذاتية، وتصبح في مهب الريح، لماذا؟ لأنه تم تحييد العقل وهو الوحيد الذي كان قادرا على رسم طريق الانقاذ ومعرفة أين تكون مصلحة الجماعة.
حين يتبنى بعض المثقفين فكرة العلاقة الصفرية مع الدولة السورية فذلك أحد نتائج تحييد العقل مهما جرى التلاعب بالكلمات المنمقة.
في العلاقة الصفرية هناك وجودان لا يمكن أن يجتمعا، فإما نحن وإماهم، هذه العلاقة الصفرية ليست نتاج العقل بل هي تكثيف للمشاعر التي حلت محل العقل.
العقل يبدأ بالعمل فقط خارج تلك العلاقة الصفرية ولا يمكن أن يعمل مع وجودها.
المشاعر هنا تقود للمستحيل، وطلب المستحيل سيعود على الجماعة بأفدح الأضرار.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه مصلحة الجماعة من يعيد فيها العقل لمكانته ليقيد المشاعر فإن بعض المثقفين يحاول السير في الاتجاه المعاكس، ويستخدم كل ما لديه من أدوات ثقافية لخدمة الابقاء على سيادة المشاعر بل والقاء الحطب على النار مخافة أن تنطفئ.
لكن الواقع يظل أقوى، وغريزة البقاء تدفع الجماعات في منطقة الخطر نحو العودة لأهم سلاح يمتلكه الانسان وهو سلاح العقل.






