في تحدّي “فاتورة الكهرباء” بسوريا

إياد الجعفري

في دردشة ممتعة حظيت بها مؤخراً برفقة نخبة من الخبراء الاقتصاديين والمتخصصين بمراقبة الشأن الاقتصادي إعلامياً، في سوريا، كانت إحدى جوانب النقاش المثيرة للاهتمام: هل توجد رؤية اقتصادية لدى صانع القرار في دمشق؟ أم أنه يضرب ضرب عشواء؟ وكان الجواب في اتجاهين، الأول يرى أن صانع القرار يمتلك رؤية “نيوليبرالية” حادة، ويأخذ البلاد باتجاهها، من دون مراعاة للعواقب الاجتماعية -والسياسية لاحقاً- المحتملة. وبين اتجاه ثانٍ، يرى أن هناك ارتباك واضح في الرؤية تتجلى معالمه في اتخاذ قرارات اقتصادية متضاربة الدلالات والأثر، خلال العام الفائت.
وكانت إحدى المؤشرات المنتظر الرهان عليها، هي ردود أفعال السوريين على أسعار الكهرباء في أول دورة (آخر شهرين من العام 2025) بعد رفع الأسعار القياسي الذي اعتُمد في مطلع تشرين الثاني الفائت. وكيفية تفاعل صانع القرار معها. وكان التوقع المرجح، أن ردود أفعال السوريين ستكون حادة وغاضبة. وهو ما يحدث الآن، بالفعل، كما ترصد وسائل إعلام محلية. ليبقى السؤال: كيف سيتفاعل صانع القرار في دمشق؟

كانت السلطات المعنية في وزارة الطاقة قد استبقت صدمة فاتورة الكهرباء الأولى بعد رفع الأسعار، بتصريحات على ألسنة مسؤوليها، تدعو السوريين للترشيد في استهلاك الكهرباء. وتحمّلهم مسؤولية الفاقد الكبير في الطاقة الشحيحة، أساساً. وهي تصريحات جاءت مستفزة لشريحة واسعة من الشارع. وقد أعقبتها دعوات على وسائل التواصل، تنوعت بين الامتناع عن دفع الفاتورة، حتى لو أدى ذلك إلى سحب “ساعة الكهرباء” النظامية، وبين دعوات للتظاهر، وأخرى تطالب باستقالة وزير الطاقة. وحتى ساعة كتابة هذه السطور، لا تبدي السلطات المعنية رد فعلٍ على هذا الحراك “الافتراضي”. فهو لم يتحول بعد إلى حراك على الأرض. وتبدو وكأنها تراقب، مع المراقبين للشأن الاقتصادي السوري، في رهان على الوقت، وعلى استيعاب السوريين لأولى الصدمات الكبرى لتحرير الأسعار.
في هذه الأثناء، تتالى خطوات عقد الصفقات مع القطاع الخاص لتأجير منشآت ومشاريع اقتصادية عامة، وسط غموض وعدم شفافية في تفاصيل هذه الصفقات، ومن دون أن تسبقها أي مناقصة أو فرصة للمنافسة بين المستثمرين المحتملين. وفي الدردشة التي أشرنا إليها أعلاه، كان رأي فريق من المتخصصين، أن ذلك شكل من أشكال “الخصخصة”، التي قد لا تعني بالضرورة “البيع”، بل نقل الإدارة وجانب كبير من الأرباح للقطاع الخاص، مع غموض في مصير العمالة الكبيرة الموجودة في تلك الشركات العامة، والتي على الأرجح، لن تحافظ على وظائفها، وإلا، فإن المستثمر الخاص لن يربح، مما سيزيد من إشكالية الأيدي العاملة، العاطلة عن العمل، التي ستُطرح في السوق المتخم بها، أساساً، والعاجز عن استيعابها.

بعد كل هذه المقدمة الطويلة، هل نستطيع توصيف رؤية اقتصادية واضحة لصانع القرار في دمشق؟ بطبيعة الحال، لم يخفِ رجالات “العهد الجديد”، منذ اللحظات الأولى لوصولهم إلى السلطة، رغبتهم في الاتجاه إلى “اقتصاد السوق” الحر والتنافسي. لكنهم لم يخبروا جمهورهم المبتهج يومها، بكلفة التخلص من تركة “الاشتراكية” العفنة، في بلادهم. وقد لمس هذا الجمهور، الكبير، جوانب من تلك الكلفة، على مدار العام الفائت. إلا أن أكبر ملامح تلك الكلفة، تتجسّد اليوم في “فاتورة الكهرباء”. وبدأ الناس يتحدثون علناً عن ردود فعل مزمعة. “لن ندفع”. ونستطيع الجزم بأن السلطات المعنية تترقب بالفعل، مدى تحوّل هذه “الأقاويل” إلى أفعال. لتبني عليها ردود أفعالها، هي الأخرى. مما يجعلنا أمام حالة تجريبية، يتم فيها تلمّس الأثر الاجتماعي -والسياسي من وراءه- للتحوّل الصادم والسريع نحو الاقتصاد “الليبرالي”، إن لم نقل “النيوليبرالي”.
وعلى غرار الحراك السريع، السياسي والدبلوماسي والعسكري، لسلطة الرئيس أحمد الشرع، على صعيد “توحيد” سوريا، ونسج سياسة خارجية متوازنة لها، يتحرك الشق الاقتصادي من هذه السلطة باتجاه نقل البلاد نحو حالة اقتصادية مختلفة تماماً، عن تلك التي كانت عليها. وبالوتيرة السريعة نفسها. ويبدو أن هناك رهاناً على الإنجاز بأسرع وقت، يراه بعض أنصار السلطة المقرّبين، أبرز إيجابياتها. “رشاقة” وسرعة الإنجاز، مقابل بطء التحوّلات في العهد البائد، خصوصاً في الشق الاقتصادي. لكن هذه “السرعة” في التحوّل والحراك، بغية الإنجاز، عرّضت سوريا، في الشق السياسي والعسكري، لخضّات هددت السلم الأهلي بشدة، خلال العام الفائت. وإن اتفقنا مع القائلين بأن غاية صانع القرار في تلك “الخضّات”، كانت توحيد البلاد، والتخلص من الحالة الفصائلية ومخاطر الانفصال في بعض أطرافها، وتحقيق الاستقرار سريعاً، بغية جذب الراغبين الخارجيين بالانخراط في إعادة إعمار البلاد. إلا أن الحراك السريع بهذا الاتجاه، كانت كلفته، المرور بـ”أفخاخ” خطرة، وفق وصف الشرع للخطأ الكبير الذي ارتكب في السويداء، مطلع الصيف الفائت.

وعلى غرار الشق السياسي والعسكري، نجد في التحوّل الاقتصادي نحو “الليبرالية” حراكاً سريعاً لا يراعي المخاطر المحتملة على صعيد ردود أفعال الشارع. أو ربما، يراهن على التفاعل مع كل “فخ” محتمل، بما يتطلبه الأمر، كما تم في الشق السياسي والعسكري. أي معالجة المشكلة، بعد التسبب بها، أساساً. وهكذا نخلص إلى أننا أمام رؤية اقتصادية “ليبرالية” للبلاد، لكن تنفيذها يتم بنفَسٍ تجريبي، يبني على الشعبية الكبيرة التي يمتلكها الشرع شخصياً لدى شريحة واسعة من السوريين، وعلى النجاحات في الشق السياسي والدبلوماسي، ومؤخراً، العسكري أيضاً. وأولى ملامح “التجريب” في هذا الحراك السريع، ستكون في تحدّي “فاتورة الكهرباء”. هل يستوعبه السوريون ويمضون قدماً، كما يراهن صانع القرار؟ أم تكون هناك نتائج مستدامة ومعقدة من ردود الأفعال الاعتراضية على الأرض، تتطلب من السلطات المعنية معالجات مختلفة؟! في ذلك، يترقب المراقبون، كما يترقب صانع القرار، في حالة تجريبية لا نعرف بعد إن كانت هناك خطة مسبقة للتعامل مع تفاعلاتها المحتملة.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى