
في الموروث الفُراتي وربما يعود الى أيام سومر وبابل، لا تحتاج المرأة إلى محكمة كي تشتكي. تكفي قص جديلة أمام الملأ أو ترسلها في ظرف.
حين تقصّ الفتاة شعرها، وتطويه بعناية، وتُرسله “بالخفية”، فهي لا تتخفّى خوفًا، بل لأن الفعل نفسه أعلى من أي شرح. الشعر هنا لا يُرسل بوصفه زينة ضائعة، بل بوصفه قرارًا مكتملًا:
” دزّيتلك بالخفية وما ظل عليَّ لوم .. هلي وهلك والجيران صاروا علينا گومِ ”
هذه ليست رسالة اعتذار، بل رفع مسؤولية. منذ لحظة وصول الظرف، لا يعود العار شأنًا فرديًا، بل يتحوّل إلى قضية عامة. الصمت بعده تواطؤ، والتأجيل مشاركة. الشَّعر يصبح وثيقة اتهام لا يمكن إنكارها، لأن الجسد نفسه هو من كتبها. في هذا الطقس الشعبي، لا تُنتزع الخصلة قسرًا، بل تُقصّ بإرادة واعية. المرأة لا تُعامَل كضحية صامتة، بل كفاعل أخلاقي يُعلن الحالة، ويُجبر الجماعة على الرد.
وهنا تظهر المفارقة إذا وضعنا هذا الفعل مقابل قصيدة الشاعر الإنكليزي ألكسندر بوب (1688-1744) The Rape of the Lock.
في قصيدته، تُسرق خصلة الشعر خلسة، وتُدار الأزمة في الصالونات، وتُحلّ بالسخرية واللغة والرمز. الخصلة هناك تُنتزع لتُضاف إلى مجموعة زينة، ثم تُرفع إلى السماء كنجم، تخليدًا لحدث تافه، نزاع بلا دم، وأخلاق بلا ثمن.
أما في الفرات، فالمرأة هي من تقصّ شعرها بنفسها، وترسله رسالة لا لبس فيها.
لا صالونات، ولا مجاز مخملي. الشَّعر لا يصعد إلى السماء، بل ينزل إلى الأرض: إلى العشيرة، إلى السكاكين المعلّقة على الجدران، إلى الحناجر التي تعرف ماذا تفعل حين يصل الظرف.
وفي سياق آخر، حين لا يكون القص احتجاجًا، بل حدادًا، يتبدّل الصوت، دون أن تخفّ جسامته:
” تستاهلون الندب والقول .. وقَطّ الشعر كل ما يطول”
هنا، قصّ الشعر فعل وفاء. كلما طال الشعر، طال الندب، وكأن الزمن نفسه يُقاس بطول الجديلة المفقودة. الشعر يتحوّل إلى ساعة حداد، لا إلى زينة.
إنه إعلان بأن الفقد لم يُغلق، وأن الزمن لا يمضي كما يجب. وليس هذا معنى رمزيًا مجرّدًا، بل ممارسة تاريخية حيّة.
ويروى أن خلافا حصل بين أخوين من قبيلة “زبيد ” هما جبر الذي كان له أولاد كثر ويسكنون عند بئر هداج بالقرب من تيماء، وتنازع مع أخيه جبرين على السلطة وجبرين كان أحق بها لكنه كان يفتقد الأولاد الذكور ولديه فقط بنات، وابتعدت المسافات بينهما عندما هاجر جبرين نحو الشمال. ووصل منطقة جبرين بالقرب من مدينة حلب. وأراد أمير تلك المنطقة أن يتزوج من بنات جبرين، ورفض الأخير تزويج بناته. وتم الغدر بجبرين بمعركة غير متكافئة. قامت احدى البنات بإرسال جديلتها المقصوصة في شمالة ضرع الناقة التي وصلت مضارب جبر، الذي قرأ الرسالة. وشد جيشا جرارا حتى حرر بنات أخيه وطرد أمير جبرين يومذاك حتى الحدود التركية.
وفي حادثة أخرى، يروى أربعينات القرن الماضي، حين سجن الفرنسيون مجموعة من نساء الرقة للضغط على الثوار كي يسلّموا أنفسهم، شدّ المغفور له محمد الفرج خيله، ومضى لتحرير السجينات. تمّ التحرير، ودفع الرجل ثمنًا بالنفي والإبعاد عن بلده حتى حصل عفوا وعاد. حينها، أنذرت امرأة تُدعى حميسة السالم أنها ستقصّ جديلتها حدادًا عليه. ويروى أنه، قبل وفاته وهو على فراش المرض، زارته وطلب منها أن تفي بنذرها رمزيًا فقط، بقصّ بضع شعرات من جديلتها، كما يفعل الحجيج في مناسك الحج.
كأن الفعل، حتى في ذروته، لا يُراد له أن يتحوّل إلى استعراض، بل إلى علامة كافية.
وهكذا، قصّ الجديلة عند المرأة، في هذا الموروث، ليس فعل يأس، بل إعلان حق مسلوب: احتجاجًا على ظلم، أو حدادًا على فقد، أو تحميلًا أخلاقيًا لجماعة بأكملها. ويقابله، في ثقافة الرجال، عدم لبس العقال حتى يُسترد الحق، أو رمي الجنبية عند اليمنيين.
الرسالة واحدة: لا زينة مع نقص الكرامة، ولا هيئة مكتملة مع ظلم قائم. الحق لا يُزيَّن، بل يُستعاد. هنا تتكشّف المفارقة الكبرى مع ملحمة بوب الهزلية.
بوب يسخر من مجتمع يرى في خصلة شعر سببًا لنزاع أخلاقي مصطنع، بينما الموروث العربي، والبابلي قبله، يرى في الشعر نقطة توازن الوجود بين الحياة والموت، وبين العار والكرامة. حين تنفصل الرموز عن دمها، لا يبقى منها سوى البلاغة. وحين يعود الرمز إلى الجسد، يصبح فعلًا لا يُجادَل فيه.
الجديلة، في الفرات، ليست استعارة. إنها بيان ناطق .


