
لم تكن المسألة الكردية في سوريا يومًا قضية جماعة تقف على هامش التاريخ، ولا شأنًا خاصًا يمكن فصله عن المسار العام للدولة والمجتمع. لقد وُلدت، بوصفها سؤال اعتراف مؤجَّل داخل كيان سياسي لم يحسم علاقته بتعدده واختلاف مكوناته، كيان لم ينجز انتقاله من منطق السلطة إلى منطق الدولة والمواطنة الجامعة. الأكراد لم يكونوا غرباء عن المكان، ولا وافدين طارئين على المجتمع السوري، بل كانوا جزءًا أصيلًا من نسيجه، موزّعين بين الريف والمدينة، بين المركز والأطراف متداخلين مع الاقتصاد والحياة اليومية، قبل أن تُعاد صياغتهم في خطاب السلطة كـ«مسألة». ما جعلهم مسألة لم يكن وجودهم بحد ذاته، بل الطريقة التي نظرت بها الدولة إلى الاختلاف، حين رأت فيه خطرًا ينبغي ضبطه لا موردًا ينبغي تنظيمه ضمن النسيج العام.
منذ ذلك الحين، تراكم الإنكار بوصفه سياسة متواصلة لا حادثة طارئة. لم يكن الحرمان القانوني، ولا إنكار اللغة، ولا التضييق على التعبير الثقافي، مجرد أخطاء إدارية أو إفرازات ظرفية، بل تجليات لمنطق عدم الاعتراف بالآخر. الدولة التي لم تستطع الاعتراف بالكردي مواطنًا كاملًا، هي نفسها التي فشلت لاحقًا في الاعتراف بسائر مواطنيها حين اختلفوا معها أو احتجّوا أو طالبوا بكرامتهم. بهذا المعنى، لم تكن المسألة الكردية استثناءً، بل مقدّمة مبكرة لأزمة شاملة أصابت وشوهت فكرة الدولة ذاتها.
في ظل هذا الإنكار الطويل، لم تختفِ الهوية الكردية، بل انكفأت إلى الداخل. حين تُنكر الذاكرة لا تموت، بل تتحول إلى شعور كثيف بالغبن، إلى هوية مجروحة، إلى سؤال بلا جواب. وحين يُحرم الإنسان من لغته، لا يُمنع من أداة تواصل فحسب، بل يُقتلع صوته من جسده، ويُدفع إلى منفى داخل وطنه. اللغة هنا ليست تفصيلًا ثقافيًا، بل بيت الوجود؛ وحين يُغلق هذا البيت، يصبح الوطن نفسه مساحة معلّقة بين الانتماء والاغتراب.
في هذا الفراغ، أدّت الأسطورة الكردية وظيفة وجودية لا سيادية. من كاوا الحداد إلى نوروز، لم تكن الأسطورة مشروع دولة مؤجَّلة، ولا خطاب تعبئة انفصالي، بل درعًا نفسيًا في مواجهة المحو. كانت لغة بقاء، وبيتًا رمزيًا حين غاب الاعتراف، ولم تكن هروبًا من الواقع، بل مقاومة صامتة له، محاولة للإبقاء على معنى الوجود حين تُصادر الذاكرة.
تميّزت الحالة الكردية في سوريا بوضع خاص، فهي لم تتشكّل ضمن جغرافيا متصلة أو كيان سياسي–إداري؛ ومن جهة أخرى، كانت مندمجة اجتماعيًا في البنية السورية، موزّعة، هشّة الحماية سياسيًا، شديدة الالتصاق بالحياة اليومية أكثر من اتصالها بأي مشروع سيادي.
تميّزت الحالة الكردية في سوريا بوضع خاص، فهي لم تتشكّل ضمن جغرافيا متصلة أو كيان سياسي–إداري؛ ومن جهة أخرى، كانت مندمجة اجتماعيًا في البنية السورية، موزّعة، هشّة الحماية سياسيًا، شديدة الالتصاق بالحياة اليومية أكثر من اتصالها بأي مشروع سيادي. هذا الوضع جعلها أكثر عرضة لسياسات القمع السياسي والقانوني، من دون أن تمتلك أدوات ردّ متبلورة.
مع التحولات الإقليمية بعد 2004، ولا سيما التجربة المؤسسية في كردستان العراق، بدأ الوعي السياسي الكردي في سوريا يدخل طورًا جديدًا، اتسم بازدواجية الرؤيا. خطاب باطني يتداول أفقًا انفصالياً بوصفه ملاذًا احتياطيًا، آخذاً بعين الاعتبار تجربة كردستان العراق، وخطاب علني يؤكد الانخراط في الدولة السورية مع التشديد على الحقوق الثقافية والإدارية. كانت هذه الازدواجية انعكاسًا لطموحات بعض الاكراد المرتبطين بايديولوجيات قومية متشددة ومعاناة البعض الآخر من الانغلاق لقنوات الاعتراف، وغياب عقد وطني جامع.
إن انتقال هذه الازدواجية من مستوى الوعي إلى مستوى الفعل، جاء على إثر ثورة السوريين عام 2011 التي كشفت هشاشة العقد الوطني برمّته، وتفكك الدولة، وتشوه الجغرافيا، وانسداد السياسة، وتحول العنف إلى لغة سائدة، ودخلت المسألة الكردية طورًا أكثر تعقيدًا مع بروز قوات سوريا الديمقراطية، بوصفها قوة عسكرية لعبت دورًا حاسمًا في مواجهة داعش بدعم أمريكي، ما منحها ثقلًا معنويًا وسياسيًا غير مسبوق وأصبحت الفاعل الوحيد في شمال شرق سوريا.
غير أن هذا الثقل، بدل أن يتحول إلى رافعة لمشروع ديمقراطي وطني جامع، انزلق تدريجيًا نحو إحياء مشروع قومي مغلق، متأثرًا بارتباطاته الفكرية والتنظيمية بأيديولوجيا قومية خارجية عابرة للحدود. هنا جرى تجاوز مطلب المواطنة داخل الدولة السورية، لصالح خطاب «روجافا» بوصفها كيانًا سياسيًا–إداريًا منفصلًا أو شبه منفصل، وتحوّل الرمز إلى إدارة، والهوية إلى حدود، والاعتراف إلى مشكلة تكوين سلطة. بهذا التحول، لم تعد المسألة الكردية تُقابل فقط بإنكار عهدته قديماً، بل أيضًا بتوجس اجتماعي جديد، غذّته مخاوف إعادة إنتاج نموذج «الدولة داخل الدولة»، وربط الهوية بالعسكرة والدعم الخارجي.
طبعاً لم تكن هذه التحولات معزولة عن السياق السوري الأوسع. فما شهدناه في الساحل السوري من ارتداد إلى الطائفة بوصفها ملاذًا، وما حدث في السويداء من إعادة تموضع حول العصبية المحلية، يعكسان الآلية نفسها: حين تغيب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للمعنى والحماية، يعود الفرد والجماعة إلى الجزء لا طلبًا للهيمنة، بل خوفًا من العراء. في هذا المعنى، لا تبدو المسألة الكردية استثناءً، بل التجلي الأكثر كثافة لهذه الآلية، لأنها تقع عند تقاطع الهوية والقوة والجغرافيا والذاكرة في آن واحد. ولاستدراك كل ذلك الغبن التاريخي جاء المرسوم رقم 13، الذي أقرّ بحقوق الأكراد كمواطنين سوريين، وبحقهم في ممارسة لغتهم وتراثهم وأعيادهم، بوصفه اعترافًا بالغ الدلالة على التغير في طبيعة النظر الى المسألة الكردية وتحويلها من مسألة كردية الى مسألة سورية يجب حلها ضمن تحقيق المواطنة المتساوية لكل السوريين يُستكمل بعقد سياسي جامع، لكن مماطلة قسد في تطبيق الاتفاق، ومن ثم تدخل الجيش السوري لإعادة فرض وحدة الدولة واحتكار السلاح، أعادا المسألة إلى قلب السؤال القديم: هل نحن أمام محاولة جدية لإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة، أم أمام إدارة جديدة للتوازن بالقوة؟
الأكثر إيلامًا في هذا المسار، أن اللحظة التي امتلكت فيها قسد ثقلًا معنويًا وفعلياً استثنائيًا، كانت فرصة تاريخية نادرة لكل السوريين لو اختارت قسد بثقلها أن تناضل من أجل مشروع ديمقراطي وطني جامع للأكراد وكل السوريين، وأن تنضم إلى عموم السوريين في ممارسة نقد بنّاء للسلطة، والدفع نحو خطوات حقيقية لتكريس دولة المواطنة المتساوية والديمقراطية للجميع لا للأكراد فقط، لكان ذلك أجدى وأعمق أثرًا، لا على الأكراد وحدهم، بل على المجتمع السوري بأسره. لكن حين تُدفع الهوية لتكون بديلًا عن المواطنة، وتُستبدل السياسة بالقوة، يُغلق الأفق، ويُعاد إنتاج المأزق بصيغة جديدة ويدفع باتجاه حلول لا يستفيد منها أحد.
هكذا، لا يمكن فهم المسألة الكردية في سوريا بوصفها قضية قومية خارج الدولة، ولا مجرد مظلومية يمكن تجاوزها بخطاب أخلاقي أو تسوية ظرفية. إنها، في صيغتها الأعمق، مسألة اعتراف افتقده الاكراد عبر تاريخهم، والدولة التي لا تعترف بتعددها، تحكم على نفسها بأن تعيش في خوف دائم من مجتمعها؛ والهوية التي تُدفع لتكون ملاذًا بدلًا من أن تكون جزءًا من المواطنة، ستبحث عن حماية خارج الدولة لا داخلها؛ والسياسة التي تُغلق أبوابها، ستُفتح من نوافذ القوة وما يرافقها من حمام دم، وهو ما تحاول الإجراءات الأخيرة والاتفاقات بين قسد والحكومة من سدها من خلال وقف إطلاق النار والتسوية المتفاهم عليها في محافظة الحسكة لأجل سوريا التي نحلم أن تكون موحدة لكل مواطنيها.
بالمختصر المفيد، لا تُستدعى المسألة الكردية بوصفها استثناءً، بل بوصفها المرآة الأكثر صفاءً لعطب كرسته الدكتاتورية على مدى خمسين عاماً. الاعتراف بها ليس منّة، ولا تهديدًا للوحدة، بل شرطًا لإعادة تأسيس معنى الدولة نفسها لأن دولة المواطنة لا تطلب من مواطنيها أن يتخلّوا عن ذاكرتهم كي ينالوا حقوقهم، ولا تشترط الانصهار الثقافي مقابل الاعتراف القانوني، بل تفهم، أخيرًا، أن المواطنة ليست إنكارًا للاختلاف، بل هي الإطار الوحيد القادر على حمايته.
المصدر: تلفزيون سوريا






