
مع انطلاق عمليات الشرق الأوسط الجراحية في السنوات الأخير، من غزة إلى لبنان وطهران والخليج وحتى إفريقيا، من دون أن ننسى انقلاب المشهد كاملًا في سوريا، يبرز السؤال الأهم على الطاولة، والذي لم يتحرّك عن وسطها منذ بداية المرحلة وهو: أيّ شرق أوسط تريد الولايات المتحدة الأميركية؟
فصحيح أن الشرق الأوسط الذي تريده إسرائيل بات معروفًا للجميع، وتُكرّره في العلن والسرّ، وهو الشرق الأوسط المفتّت سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا – على أقلّ تقدير – إلا أنّ تبنّي الولايات المتحدة لهذا المشروع من عدمه، وإلى أي مدى قد تتماهى واشنطن مع كامل التوجّه الإسرائيلي، ظلّ أمرًا غير واضح. عند كل منعطف ومرحلة مهمّة، كان هذا السؤال يعود إلى الواجهة، وتتقدّم الترجيحات. أمّا هذه المحطة الأخيرة في سوريا والمتمثلة في المعركة الدائرة مع «قسد»، فهي تعزّز مسارًا سابقًا يرجّح عدم تطابق التوجّهين الإسرائيلي والأميركي في المنطقة.
منذ سقوط الأسد وتسلّم القيادة الجديدة السلطة في سوريا، اعتُبر ملف «قسد» أحد أهم الملفات وأكثرها تعقيدًا في البلاد، وهو يأتي مباشرة بعد ملف الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد من حيث الصعوبة. وُقّع اتفاق في 10 آذار/مارس 2025 وقضى بوقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، مع ضمان حقوق المكوّن الكردي وعودة المهجّرين ورفض دعوات التقسيم، على أن تُستكمل آليات التنفيذ قبل نهاية 2025. لكن الواقع يقول عكس صورة القادة الباسمة عند توقيع الاتفاق. الحقيقة أن أي اتفاق كان من المتوقع أن يكون هشًّا، نظرًا لاختلاف عاملين أساسيين: اختلاف وجهات النظر بين دمشق و«قسد» حول دور ومكانة وشكل الأخيرة في المرحلة المقبلة، والعامل الآخر هو اختلاف قراءة المشهد الدولي.
النقطة التي لا يمكن التغافل عنها، فهي توقيت العملية. ففي مراحل سابقة، اختارت القيادة السورية لحظة التحرير بعناية. واليوم يتكرّر المشهد نفسه، إذ يأتي التوقيت في لحظة تنشغل فيها الولايات المتحدة خارجيًا بملفات تراها أكثر أهمية من ملف «قسد»، على رأسها إيران وفنزويلا وغرينلاند.
فـ«قسد» صُنعت على عين الولايات المتحدة الأميركية، وهي تحمي أماكن حسّاسة بالنسبة لها، مثل حقول النفط السورية، وسجون «داعش»، ونقطة جغرافية محورية، فضلًا عن كونها أحد أعمدة مشروع التدخّل عبر شعار حماية الأقليات في المنطقة والذي تستمر إسرائيل في اللعب عليه. هذه المعطيات وغيرها دفعت «قسد» إلى التعويل على أنّ الولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل، يستحيل أن تتخلّى عنها، أو أن تُفضّل القيادة السورية الجديدة عليها، أو على أقلّ تقدير ألّا تتدخّل لردعها عن استعادة مناطق تسيطر عليها «قسد».
في المقابل، كانت قراءة القيادة السورية مختلفة؛ إذ رأت أنّ الولايات المتحدة غير متمسّكة بملف «قسد» بالشكل الذي تتخيله هي، على أن يتم احتواؤه والتعاطي معها بحذر، كي لا تُثار حساسيات تسعّرت بعد الأخطاء التي برزت في التعاطي مع ملف السويداء خاصة. لكن العنوان السوري العريض كان واضحًا: استعادة مناطق من نفوذ «قسد»، ولا سيّما المناطق العربية منها، لا يواجه «فيتو» أميركيًا.
غير أنّ هذا العنوان لم يكن كافيًا لإطلاق عملية واسعة في مواجهة «قسد»، بل سبقه تحضير سوري كبير. أولًا، تعزيز وتثبيت مسار الاتفاقات والتواصل، في محاولة لاحتواء الموقف من دون تصعيد من جهة، وللتأكيد للولايات المتحدة من جهة أخرى أن الطرف الذي يرفض تطبيق الاتفاقات هو «قسد». ثانيًا، مدّ جسور التواصل مع العشائر العربية في الشرق.
ثالثا، إعطاء الملف وقته في التحضير العسكري، ناهيك عن التنسيق مع تركيا، صاحبة الاهتمام الأكبر بهذا الملف. وأخيرًا، جاء ترك افتتاح المعركة لـ«قسد» من جهة، مع تأكيد القيادة السورية استعدادها للحوار والاتفاقات، بالتوازي مع تركيز عملياتها على الأرض، وتوسيع مروحة التواصل الخارجي، والحرص على التطمين في ملف سجناء «داعش»، والابتعاد عن التجاوزات الميدانية.
أمّا النقطة التي لا يمكن التغافل عنها، فهي توقيت العملية. ففي مراحل سابقة، اختارت القيادة السورية لحظة التحرير بعناية. واليوم يتكرّر المشهد نفسه، إذ يأتي التوقيت في لحظة تنشغل فيها الولايات المتحدة خارجيًا بملفات تراها أكثر أهمية من ملف «قسد»، على رأسها إيران وفنزويلا وغرينلاند.
أمّا داخليًا، فالورقة التي كانت تُطلب من دمشق منذ وقت طويل، والمتعلّقة بحقوق الأكراد، فقد جرى ادّخارها أيضًا للحظة التفاوض الأخيرة، لتكون بذلك أحد أعمدة أيّ اتفاق ختامي. وبهذه الحالة، تُدرج هذه التقديمات ضمن ما تقدّمه القيادة السورية في مرحلة إنهاء الصراع، لا في مرحلة سابقة عليه، فتُؤخذ بوصفها تحصيل حاصل في لحظة التفاوض الأخيرة.
صحيح أنّ الموازنات الدولية تشكّل عمودًا أساسيًا، إلا أنّ العمود الثاني الذي حضر في المعركة مع «قسد»، ومن المهم جدًا تعزيزه وتعميمه جغرافيًا واجتماعيًا، هو سياسة الاحتواء المجتمعي على حساب سياسة الاستقواء والإسراف في الدماء، وهو تطوّر أساسي برز في هذه المواجهة.
عمليًا، ينتصر حتى الآن توجّه دمشق، الذي يراهن على أنّه، في حدود المناطق العربية على الأقل، لن يكون هناك «فيتو» أميركي، مع الحاجة الدائمة إلى تطمينات اجتماعية وسياسية، خارجية وداخلية، وهو ما جرى بالفعل.
وقد ظهر الموقف الأميركي بوضوح مع التقدّم السوري شرقًا، وعدم اندفاع واشنطن لحماية «قسد»، بل مباركتها للاتفاق الذي بدا أقرب إلى مطالب دمشق، والذي عادت «قسد» لترفضه معلنةً النفير العام. لكن عمليا كانت المباركة الأميركية للاتفاق حاضرة، على لسان المبعوث الأميركي توم باراك، لتعزَّز أكثر عبر اتصال جرى بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس دونالد ترامب، أكّد عمليًا مباركة الولايات المتحدة لعمليات دمشق شرقًا، ولو كان ذلك على حساب «قسد»، «الشريك التاريخي» للولايات المتحدة، كما وصفها باراك.
صحيح أنّ المعركة لم تنتهِ بعد، وأنّ «قسد» ما تزال حاضرة في معاقلها الكردية الأهم بالنسبة لها، إلا أنّ إمساكها بالمرافق الأساسية وبالسردية الجوهرية تراجع بشكل كبير. في المقابل، تعزّز مسار أميركي في المنطقة يدفع باتجاه تقسيم خريطة النفوذ بين الحلفاء، بصورة تعتبرها الولايات المتحدة متوازنة وتُريحها في إدارة التعامل مع المنطقة، كما تضمن أمن إسرائيل، من دون أن يعني ذلك تغوّلها التام على حلفائها الآخرين، وفي مقدّمتهم السعودية وتركيا. وعليه، يمكن القول إنّ المعركة الأخيرة تعزّز استراتيجية واشنطن القائمة على ترسيم الحدود بين الحلفاء في المنطقة، على حساب منهج تسليم الحلفاء العرب والأتراك تماما لإسرائيل ومشروعها، كما تريد الأخيرة.
أخيرا، فصحيح أنّ الموازنات الدولية تشكّل عمودًا أساسيًا، إلا أنّ العمود الثاني الذي حضر في المعركة مع «قسد»، ومن المهم جدًا تعزيزه وتعميمه جغرافيًا واجتماعيًا، هو سياسة الاحتواء المجتمعي على حساب سياسة الاستقواء والإسراف في الدماء، وهو تطوّر أساسي برز في هذه المواجهة.
المصدر: تلفزيون سوريا






