في حاجة مثقّفين عرب إلى وصف وظيفي جديد

عز الدين أعرج

في السنتَين الماضيتَين، جادل صحافيون ودعائيون إسرائيليون علناً، على قنوات التلفزيون وفي الصحف، بأن الولايات المتحدة لا تتمنّن على إسرائيل بمليارات الدولارات من الدعم السنوي، فهي لا تفعل ذلك بلا مقابل. “نحن نخدم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط”، قال مثلاً متحدّث سابق باسم الجيش الإسرائيلي، في معرض ردّه على استنكار ناشط أميركي أن يدفع مواطنوه تكلفة حربٍ لا تعنيهم. كلام يبدو مأخوذاً من مقالة أو بيان لناشطين يساريين في الجنوب العالمي، يقوله الآن سياسيون إسرائيليون وأميركيون بوضوح وقح.
هذه المفارقة، التي أشار إليها عزمي بشارة في معرض تحليله لوضوح ترامب السافر في عدوانه على فنزويلا، صارت وكأنّها سمة السياسة المعاصرة في أزمنة الشعبوية الفجّة. لا حاجة لمبرّراتٍ، مثل نشر الديمقراطية لتبرير نهب موارد الشعوب الأخرى، فتلك لغة انقضى زمنها. يتحدّث الرئيس الأميركي الآن علناً عن مساعيه إلى الاستحواذ على النفط في أميركا اللاتينية، ويستعيد لغة عنصرية من القرن التاسع عشر للحديث عن شعوب أفريقية بأكملها كما فعل مع الصومال، ويقسّم العالم بين مناطق نفوذ بينه وبين أقوياء آخرين. ويتحدّث زعماء أوروبيون عن “العالم غابة” وعن “الغرب حديقة”، ويقولون عن أنفسهم ما لا يقوله نقّادهم عنهم. أما ما احتاجت منظّمات دولية عقوداً لقوله عن إسرائيل، مثل أنها تمارس تطهيراً عرقياً ضد الفلسطينيين، فيصرّح به سياسيون إسرائيليون أنفسهم الآن.
يتحدّث الرئيس الأميركي الآن علناً عن مساعيه إلى الاستحواذ على النفط في أميركا اللاتينية
ليس هذا جديداً، لا في إسرائيل ولا في الدول الغربية التي تدعمها، فقادة هذه الدول رأوا، منذ وقت مبكّر، أنفسهم مستعمرين، وجاهروا بذلك منذ مراحل مبكّرة جدّاً. تراجعت هذه اللغة لاحقاً مع انحسار الدول الاستعمارية في العالم، ومع تطوّر نظام عالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية يستند، وإنْ ظاهرياً، إلى قيم كونية جديدة. وفي العقود التي تلت ذلك، انشغل المدافعون عن المركز الاستعماري بإنتاج لغة جديدة لتبرير التدخّلات العسكرية والهيمنة الاقتصادية. وشغل هؤلاء أنفسهم بالتوفيق بين التدخّل العسكري وقيم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ودأبوا على تبرير الغزو بمقولاتٍ مثل نشر الديمقراطية، والدفاع عن العالم الحرّ، وإنقاذ النساء والأقليات، والحرب على الإرهاب، وغيرها.
في الجهة المقابلة، وجد ناشطون ومثقّفون معادون للاستعمار دورهم في تعرية هذه اللغة والخطابات وإظهار تناقضاتها، وكُتبت كتبٌ عن استخدام الديمقراطية وحقوق النساء والأقليات لتبرير الهيمنة الاستعمارية. بل وتطوّرت تخصّصاتٌ ومدارس بحثية كاملة تتعامل نقدياً مع هذه الخطابات، وتعقد مقارنات بين أنظمة الهيمنة المعاصرة وأشكال الاستعمار والعبودية السابقة. وجد هؤلاء دورهم الأساسي في إثبات أن “الشيطان لا يزال في الغرفة”، وأن علاقات القوة الاستعمارية لا تزال تحكم العالم.
الشيطان لا يحتاج إلى مترجم، والتناقضات لا تحتاج إلى من يشير إليها
لكن ماذا يحدث عندما يعلن الشيطان، بصراحة ووقاحة، وجودَه، وعندما يوجد في العناوين العريضة وفي الخطابات الواضحة لا في التفاصيل، وحين لا يحتاج الطغاة إلى مبرّرات، ويستلهم الفاشيون المعاصرون الفاشيين السابقين علانية وفي مؤتمرات صحافية؟
ربما تكمن إحدى مفارقات اللحظة الراهنة في أن كثيراً من التحليل السياسي المعاصر استقرّ في منطقة آمنة: “تفكيك” اللغة، وفضح التبريرات الأخلاقية التي تختبئ خلفها السلطة. وعربياً، ذاع في السنوات الماضية صيت نوعٍ خاصٍّ من المثقّفين، الذين اقتصر تعليقهم السياسي على هذا الدور، وعلى الغرب وموقفه من مجتمعنا. وخلال حرب الإبادة على قطاع غزّة مثلاً ازدهر هذا النوع من التحليل، ورأى جزء كبير من المنشغلين في الشأن العام العربي دورهم في فضح التناقضات الأخلاقية للغرب والتنقيب عن ازدواجية معاييره تجاه العرب والمسلمين. وفي المقابل، غاب النقاش من مجتمعاتنا نفسها، وبدا أن أسئلة مثل انغلاق المجال العام العربي، وتواطؤ أنظمة مع الإبادة، وغياب أي جبهة عربية منظّمة وقادرة، والطرق الواقعية والعملية للتعامل مع اللحظة الراهنة، خارج “الوصف الوظيفي” للمثقّف الجديد.
يعكس هذا أزمة أقدمَ لدى جزء من دارسي الاستعمار في الأكاديميا الغربية، إذ نشأت طبقة من مثقّفي الجنوب العالمي في جامعات الشمال العالمي، الذين وإن انشغلوا بنقد التمثيل الغربي لدولنا، فإن لديهم القليل ليقولوه عن دولنا نفسها وعن مجتمعاتنا، لدى هؤلاء كثير ليقولوه عن نقد الأنظمة الاستعمارية، والقليل عن سبل مواجهتها أو عن أي برنامج سياسي. الآن، والشيطان لا يحتاج إلى مترجم، والتناقضات لا تحتاج إلى من يشير إليها، ربما صار على بعض المثقّفين العرب البحث عن “وصف وظيفي” جديد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى