
نجحت السلطة السورية الجديدة في إخراج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مدن وبلدات وقرى في محافظات حلب والرقة وديرالزور، باستثمار معطيات محلية وإقليمية ودولية، عدم وجود حاضنة شعبية لـ”قسد” في هذه المنطقة (زادت ممارساتها التسلطية والاستئثارية سكّانها نفوراً)، تأييد عربي وتركي، تحت عنوان وحدة أراضي سورية وسلامتها، عبّر عن نفسه بدعم إعلامي عربي ومساعدة استخبارية تركية، غضّ نظر أميركي، فالإدارة الأميركية لا ترى أن وجود “قسد”، حليفتها في شرق الفرات، في الغرب السوري يُلزمها بدعمها؛ كانت قد أخذت هذا الموقف خلال عملية غصن الزيتون عام 2018، وهو ما أكده قائد القوات الخاصة الأميركية الذي التقى قادة من قسد في دير حافر وأبلغهم بضرورة الانسحاب وتجنّب المواجهة أو تحمّل نتائجها. هذا وقد قامت السلطة بالتوازي مع هجومها العسكري بتحرّك دبلوماسي وسياسي بالتواصل مع الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإصدار مرسوم رئاسي يمنح الكرد السوريين حقوقاً حُرموا منها طويلا، وذلك لطمأنة الرأي العام الكردي والعالم. ربطت السلطة إطلاق العملية العسكرية بعدم التزام “قسد” بتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025)، واستخدام وجودها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ورقة ضغط بالنار لدفع السلطة إلى القبول بطلباتها بصيغة اندماج تبقي على كيانيها المدني والعسكري، حيث تكرّرت عمليات قنص المدنيين في الأحياء المجاورة، واستهداف حواجز الأمن العام القريبة قبل جلسات التفاوض وبعدها.
قالت تقديرات سياسية إن العملية العسكرية جزء من خطة أوسع هدفها إخراج قوات سوريا الديمقراطية من الغرب السوري تمهيدا لتحرّك تقوم به عشائر عربية في شرق الفرات، مع المراهنة على انشقاق المقاتلين العرب في “قسد”، لوضع الأخيرة بين خيارين صعبين: مواجهة تمرّد شعبي كبير مع خطر تفكّك داخلي أو القبول بشروط السلطة والاندماج في صفوف الجيش السوري الوليد، وفق تفسيرها بنود الاتفاق المذكور. وقد أتاح تحرّك العشائر العربية وسيطرتها على بلدات وقرى في ريفي الرقة وديرالزور تطوير الهجوم نحو مواقع في شرق الفرات.
كشفت العملية العسكرية التي بدأت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب عن عمق الترابط بين الكرد رغم توزعهم وانتشارهم في أكثر من دولة، تجلى ذلك في التظاهرات التي خرجت في إقليم كردستان العراق ومدن تركية عديدة وفي إلغاء معرض الصناعات السورية الذي كان سيقام في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، وبقرار قناة شمس الكردية عدم بث مقابلة مصورة أجرتها مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، كما كشفت عن الترابط بين ملفات الساحل والسويداء وشمال وشمال شرق سورية؛ وعن عمق التحالف بين قياداتها جسده صدور بيانين من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الشيخ غزال غزال، والرئيس الروحي للموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، دانا فيهما العملية العسكرية في الحيين، ووصفا تصرّفات قوات السلطة بأوصاف حادّة، مثل “العنف والإرهاب”، وفق غزال، و”غزو همجي”، وفق الهجري، واتفاقهما على أن هدف العملية إجراء تغيير سكاني في الحيين، ومطالبتهما بحماية دولية؛ وقصف “الحرس الوطني” للهجري مواقع قوات الأمن الداخلي المنتشرة غرب السويداء. كما كشفت الموقف الأميركي من المتحاربين ومن طبيعة الحل المطلوب في سورية، حيث قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن بلاده تتعامل بإيجابية مع الجانبين، في حين أوضح المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، نظرة الإدارة إلى الحل في سورية بقوله “إن الرئيس ترامب ينظر إلى هذه اللحظة بوصفها فرصة تاريخية ومفصلية لقيام سورية جديدة موحدة، تقوم على احترام جميع مكوّناتها القومية والدينية، من عرب وأكراد ودروز ومسيحيين وعلويين وتركمان وآشوريين وغيرهم، وتكفل لهم معاملة قائمة على الكرامة والمساواة، ومشاركة حقيقية في مؤسّسات الحكم والأمن”، في غمز واضح من قناة السلطة التي لم تراع في سياستها التعدّد والتنوع القومي والديني والمذهبي في البلاد. وهدّد عضو مجلس الشيوخ، الجمهوري المقرّب من الرئيس الأميركي، ليندسي غراهام، بالعمل على إعادة فرض قانون قيصر ما لم يتوقف الهجوم على “قسد”.
كشفت العملية العسكرية التي بدأت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب عن عمق الترابط بين الكرد رغم توزعهم وانتشارهم في أكثر من دولة
حصل التعثر في تنفيذ الاتفاق العتيد نتيجة تقابل موقفين متعارضين بشدة مع عدم وجود استعداد لدى أيٍّ من الطرفين للذهاب نحو الاتفاق على حلول وسط، فالسلطة التي تعمل على أكثر من صعيد، وبأكثر من صيغة، لتكريس سيطرتها وهيمنتها على البلاد والعباد، لم تشرك القوى السياسية والاجتماعية من خارج نواتها الصلبة؛ وتستثمر، في الوقت نفسه، في العرب السُنّة لتعزيز موقفها عبر ترويج أن الحُكم حُكمهم، وتخويفهم من عودة حكم الأقليات الذي سينتقم منهم، استخدمت التنسيق القائم بين “قسد” والشيخين الهجري وغزال وتقارير رويترز و”واشنطن بوست” وقناة الجزيرة عن تخطيط فلول النظام البائد لزعزعة الأمن والاستقرار في شد عصبهم الطائفي وتعبئتهم ضد الأقليات. وتعتمد قوات سوريا الديمقراطية سياسة قائمة على مبدأ “كل شيء أو لا شيء”، ما دفعها إلى التمسّك بمواقفها من دون التفاتٍ إلى صيغ عديدةٍ طرحتها السلطة لعملية الاندماج، تناقض موقف قادة من “قسد” من مرسوم الشرع حول الحقوق الكردية بين من يرى فيه محاولة لتقسيم الكرد ومن يراه ثمرة لصمود قسد، مع استثمار الملفين الآخرين، ملفي الساحل والسويداء، وربط مطالبها بهما مع منع أي تحرك كردي مستقل بإرهاب القوى السياسية الكردية الأخرى، هجمات منظمة الشبيبة الثورية وحرق مكاتب المجلس الوطني الكردي، وباتهام أي تحرك يدعو للمرونة والتفاهم مع السلطة بالخروج على الموقف الكردي الموحد، الذي اتخذه مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي”، الذي عقد في لقامشلي في 26 إبريل/ نيسان الماضي، والتفريط بالحقوق الكردية.
تحرّك الوسطاء، المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، والزعيم الكردي مسعود البارزاني، لوقف تدهور الموقف ودفع الطرفين إلى العودة إلى المفاوضات حول سبل تطبيق اتفاق 10 مارس، خصوصاً بعد تمدّد المواجهات خارج محافظة حلب، بعقد اجتماع في أربيل مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، قالت تسريبات إن برّاك اتهم عبدي بالمماطلة وعدم الجدّية في تطبيق الاتفاق، والترتيب لاجتماع في دمشق بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، ومظلوم عبدي، برعاية السفير برّاك، أعلن عن إجراء الشرع وبرّاك مفاوضات مع عبدي عبر الهاتف لتعذر الحضور إلى دمشق بسبب سوء الأحوال الجوية والاتفاق على وقف إطلاق النار والعودة إلى تطبيق اتفاق مارس عبر صيغة من 12 بندا تنطوي على انسحاب “قسد” من المناطق ذات الأغلبية العربية واندماجها بشكل فردي في الجيش السوري الوليد.
مطلوب من “قسد” أن تنظر إلى المعطيات بواقعية، حيث لا يشكل الكرد في سورية أكثر من 10% من سكانها
لن يزيل الاتفاق الجديد، الذي ترتب على قبول قوات سوريا الديمقراطية بشروط السلطة وتفسيرها بنود اتفاق مارس بعد خسارتها عسكريا؛ الشعور بالغبن. لن يكون، كأي اتفاق مبني على إرادة ناقصة، بالنسبة لقادة “قسد” وكوادرها بلسما للجراح، لأنه ليس مبنيا على القناعة والرضا، كما ظهر في كلام الجنرال مظلوم عبدي وملامح وجهه وهو يقرأ بيانه عن الموقف، بل سيعمق الجراح ويزيد المرارة ويغذي المشاعر السلبية. لذا تستدعي الحصافة والمصلحة الوطنية قيام طرفي النزاع بإعادة النظر في تصوراتهما وخططهما وإجراء مراجعة حقيقية وتبني صيغ منطقية وعملية تفتح الطريق أمام تفاهمات واقعية. علما أن المطلوب من السلطة، لاعتبارات تتعلق بالموقع والدور، أكبر وأكثر. مطلوب من “قسد” أن تنظر إلى المعطيات بواقعية، حيث لا يشكل الكرد في سورية أكثر من 10% من سكانها، ونسبتهم في منطقة شرق الفرات ليست أكثر من ذلك بكثير؛ وهذا بالإضافة إلى توزعهم على أكثر من محافظة سورية ما يجعل التفكير بالفدرالية غير عملي. كما عليها أن تنظر في تركيبتها البشرية حيث إن جزءا مهمّاً منها من المكون العربي الذي سينقلب عليها عندما تصطدم مع السلطة العربية، كما عليها أن تدقق جيدا في التغيرات التي حصلت في المواقف الإقليمية والدولية من الوضع السوري ووجود ميل عام لتبني وجهة نظر السلطة بما في ذلك عمليتها العسكرية القائمة. لعل التدقيق في المعطيات وقراءتها بتمعن يدفعانها إلى خفض سقف مطالبها وتنفيذ بنود الاتفاق الجديد بروح رياضية.
السلطة من جانبها مطالبة بإعادة نظر عميقة في مقاربتها للملفات السياسية العالقة وذلك بـ: أولاً، اعتماد الوطنية السورية قاعدة لاتخاذ القرارات السياسية والإدارية والاقتصادية؛ وبناء المؤسّسات بدلالتها؛ حيث لا يمكن ضمان الاستقرار في مجتمع متعدّد القوميات والأديان والمذاهب دون شعور الكل الوطني أنه موجود في الصورة ومشارك في فعالياتها. ثانياً، البدء بتطبيق العدالة الانتقالية لامتصاص نزعات الانتقام عن طريق إنصاف الضحايا وإشعار الكل الوطني أن لا أحد فوق القانون. ثالثاً، العمل على تحقيق عدالة اجتماعية يشعر فيها المواطن بأنه يحصل على نصيب عادل من الثروة الوطنية من دون تمييز أو غبن. رابعاً، استكمال تشكيل مجلس الشعب؛ بما في ذلك عدد مناسب من المقاعد للمكوّن الكردي، مع منحه حق ممارسة دوره في إصدار التشريعات والنظر في القرارات والمراسيم التي صدرت في العام الماضي والحق بتعديلها وإلغاء ما يجد عدم مناسبته وطنيا، بما في ذلك الإعلان الدستوري بما انطوى عليه من تحديدات مثل طبيعة النظام السياسي الرئاسي والمركزي وصلاحيات الرئاسة ومدة المرحلة الانتقالية…. إلخ، قبل التصويت عليها. خامساً، تشكيل لجنة خاصة لصياغة دستور جديد للبلاد يلحظ التعددية القومية والدينية والمذهبية، بحيث يكون مناسبا لعقد اجتماعي جديد قائم على التعدّدية والتشاركية ولامركزية إدارية موسعة تجعله يحظى بقبول واسع من المواطنين. سادساً، إعادة نظر في التقسيمات الإدارية السورية بتشكيل محافظات جديدة، بحيث تسهل إدارتها ومعالجة نقاط الخلل فيها على صعيد البنية التحتية والخدمات والتوظيف ومشاريع التنمية المستدامة، وتزيد فرص المناطق في المشاركة في إدارة البلاد وفي صياغة القرارات السياسية والاقتصادية فيها.
مخرج مقترح علّ قبوله يقود إلى فتح طريق للمصالحات السياسية والدفع باتجاه ترميم النسيج المجتمعي وتكريس الوحدة الوطنية.
المصدر: العربي الجديد






