دعوة لتحديد أهداف معيارية داخلية للسلطة السورية في عامها الثاني 

د. مخلص الصيادي

دخلت سوريا، بكل مكوناتها وسلطتها الوطنية عامها الثاني بعد تحررها من النظام الأسدي، وعَبَرَت في هذا العام الجديد أسابيع عدة شهدت تحركات مميزة على غير صعيد، من أهمها ما نشهده من انهيار في المشروع القسدي الانفصالي.
وإذا كان تقييم ما تم إنجازه في العام الأول يمثل رؤيةً لقدرة القيادة السياسية على الإنجاز خلال عام مضى، فإن التطلع إلى تحقيق أهداف وإنجازات معينة يجب أن يمثل رؤية السوريين جميعا لما يجب أن ينجز خلال هذا العام الجديد من أعوام المرحلة الانتقالية، وأن تكون هذه الأهداف معايير قياس في الحكم على الإنجازات المرتقبة، أي على أداء السلطة القائمة وتقدمها في اتجاه الأهداف المعلنة.
وإذا كان “الإنجاز الخارجي” السمة الرئيسية للسنة الأولى، فإن المطلوب والمنتظر أن يكون “الإنجاز الداخلي” هو سمة ما يتحقق في السنة الثانية.
وهنا يمكن تحديد العديد من الأهداف التي نتطلع لإنجازها، لكني أكتفي هنا بتحديد عشرة أهداف “داخلية” أعتقد أنها تكفي لتكون معيارا للحكم على نجاح النظام السياسي السوري الجديد في عامه الثاني، وهي بطبيعتها تتيح للمواطن على مدار العام أن يتابع، ويتفاعل، مع حركة النظام وأجهزته تجاهها، فلا يتفاجأ بأي نتيجة أو حصاد يواجهُ في ختام هذا العام.
الأهداف المطلوب إنجازها داخليا في العام الثاني لتحرر سوريا من الحقبة الأسدية:
1ـ توكيد السلطة الالتزام بالقضية الديموقراطية بكل تجلياتها، وهو ما كان غائبا تماما خلال العام الفائت، ويتقدم هذا الالتزام إصدار قانون الأحزاب وتفعيله، بما يتيح انطلاق الحياة السياسية في المجتمع السوري بشكل طبيعي، وقانون الصحافة، والقوانين المنظمة لعمل منظمات المجتمع المدني. للنقابات، والاتحادات، والهيئات الشعبية على مختلف اشكالها.
2ـ توفير الشفافية في مسار العدالة الانتقالية بالنسبة لجرائم النظام البائد، ليتابع المواطنون مجرى التحقيقات، وتقديم هيكلية واضحة للمتهمين الذين يتم القبض عليهم، ولوظائفهم السابقة، وأدوارهم، والتهم الموجهة إليهم، والعمل على إطلاع المواطنين وبشفافية تامة على تطورات ملف المغيبين قسرا، والعمل على إغلاق هذا الملف قانونيا واجتماعيا خلال هذا العام.
3ـ الانتهاء من التحقيقات الخاصة بالانتهاكات التي ارتكبت في جبل العرب، والساحل، والعمل على جبر الضرر، والدفع بالمواطنين في هاتين المنطقتين إلى المشاركة السياسية الوطنية، وإلى تفعيل أدوارهم في العمل العام، وفي إدارة الشأن السوري، وشؤون هذه المناطق..
4ـ إغلاق ملف قسد إغلاقا تاما، وإنهاء وجودها، كمشروع انفصالي إرهابي، وإسقاط المزاعم بأنها تمثل المكون الكردي السوري، أو تمثل الحراك السياسي الكردي في سوريا، وأن يتم انجاز ذلك في إطار وحدة سورية جغرافيا ومجتمعيا، وفي إطار مفهوم المواطنة، دون أي استثناء.
وقد جاء المرسوم رقم 13 لعام 2026 الصادر في 27 رجب 1447 هـ الموافق 16 / 1 / 2026، وكذلك الانتصارات الميدانية على السرطان القسدي، لفتح كل الأبواب الممكنة لإغلاق هذا الملف. ولإعادة الأمور إلى نصابها في كامل المنطقة التي سيطرت عليها قسد خلال المرحلة السابقة.
5ـ البدء بعملية إعادة الإعمار، وإعطاء الأولوية لإنهاء وإغلاق ملف المخيمات، وتوفير أماكن إيواء ولو مؤقتة لساكنيها إلى حين الانتهاء من إعادة إعمار مناطقهم، والاستفادة من تجارب المجتمعات التي نكبت بالحروب الداخلية، أو بالكوارث الطبيعية في معالجة مثل هذه الأوضاع الإنسانية، التي لا تحتمل التأجيل أو التسويف.
6ـ تأسيس صندوق استثمار وطني يتمتع بالشخصية القانونية والإدارية المستقلة، مؤتمن، وشفاف، تكون مهمته صيانة الثروة الوطنية، وأصولها، خصوصا بعد تحريرها من سيطرة القوى الانفصالية القسدية، ودعوة المغتربين السوريين للإسهام فيها، وتوجيه نشاط هذا الصندوق إلى الإطارات التي تخدم المواطن والوطن السوري، والتي ترسخ الأمان والسلام الاجتماعي.
7ـ العمل على تعديل ميزان الأجور والرواتب، وكذلك الأسعار للخدمات العامة والسلع التي تتحكم بها الدولة “الطاقة من كهرباء وغاز، المياه، المواصلات، التعليم، الصحة…الخ”، وذلك بما يحقق للمواطن “الحياة الكريمة”. وإعطاء أصحاب “الاحتياجات الخاصة”، الدائمة والمرحلية، الأولوية في الاهتمام، وتوكيد مفهوم الدولة باعتبارها مؤسسات وأجهزة خدمة وتيسير وحماية ورفق، وليس جباية وضبط وإكراه.
8ـ استكمال بناء جيش وطني يتجاوز الفصائلية، والتكتلات المخربة لوحدته العسكرية ولعقيدته القتالية، جيش مفتوح لكل المواطنين دون تمييز، المواطنة عماده بنيانه، واستعادة كامل أراضي الوطن المحتلة واجبه الأول. والدفاع عن الوطن حرا موحدا منيعا أساسُ وحدودُ القوة التي يتطلع إليها.
ولعل من أسس بناء هذا الجيش المساهمة الوطنية الدائمة في بنيته، وذلك من خلال التفعيل الحقيقي الإيجابي لمفهوم “خدمة العلم”.
9ـ العمل خلال هذا العام على انجاز خارطة طريق مرفقة بتوقيتات محددة تلتزمها السلطة السياسية، وكافة الجهات ذات الصلة، لتحقيق ما يجب تحقيقه خلال المرحلة الانتقالية بشأن: مشروع الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية، مشروع الإدارة المحلية للمحافظات السورية، القوانين الخاصة بالنقابات، والجمعيات التعاونية … الخ. ويكون من أهداف خارطة الطريق تقليص مدة “المرحلة الانتقالية”.
10ـ التزام القيادة السياسية السورية ممثلة بالرئيس أحمد الشرع بمفهوم “المرحلة الانتقالية”، والتي تعني أي أن التزامات خارجية طويلة الأمد لا يمكن البث فيها إلا من خلال سلطة تشريعية منتخبة، ودستور دائم. أي أن الالتزام بها يخرج عن طبيعة هذه المرحلة، ومن هذه الالتزامات ما يخص ((القضية الفلسطينية، الأمن القومي العربي، الاتفاقات الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، الإقليمية والدولية. الخ))، وهذا أمر يستدعي التعجيل في الخروج من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة الطبيعية المستقرة والدائمة.

إستانبول     17 / 1 / 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى