سد تشرين بين الجغرافيا والسياسة.. لماذا يتقدّم على سلّم أولويات الحكومة السورية؟

باسل المحمد

 بعد أيام من انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إثر معارك دقيقة قوات الجيش السوري في تلك الأحياء، تتجه الأنظار إلى ريف حلب الشرقي حيث تستعد الحكومة السورية لبسط سيطرتها على مناطق دير حافر ومسكنة، وصولًا إلى سد تشرين الاستراتيجي.
ويأتي هذا التحرك في ظل اتهامات متكررة لقسد بالمماطلة في تنفيذ كامل بنود الاتفاق، ما دفع دمشق إلى التعامل مع ملف شرقي حلب بوصفه أولوية سيادية وأمنية لا تحتمل التأجيل، خاصة أن سد تشرين يشكّل أحد أهم المفاصل الجغرافية والاقتصادية في شمالي سوريا.

الأهمية الاستراتيجية والعسكرية
يشكّل سد تشرين أحد أبرز المفاصل الجغرافية والعسكرية في شمالي سوريا، نظرًا لموقعه على نهر الفرات في ريف حلب الشرقي، حيث يتحكم عمليًا بإحدى أهم نقاط العبور بين ضفتي النهر. هذا الموقع يمنح الجهة المسيطرة عليه قدرة مباشرة على ضبط الحركة الميدانية بين غرب الفرات وشرقه، ويجعل منه بوابة استراتيجية نحو مناطق الجزيرة السورية.
عسكريًا لا يُنظر إلى السد باعتباره منشأة خدمية فحسب، بل كعقدة تحكم ميداني تؤثر في خطوط الإمداد وانتشار القوات، وتتيح فرض وقائع أمنية تتجاوز محيطه الجغرافي المباشر، وقد أثبتت سنوات الحرب أن السيطرة على سد تشرين غالبًا ما كانت تمهّد لتغيرات أوسع في موازين القوى شرق حلب، سواء من حيث تأمين العمق الدفاعي أو فتح مسارات التقدم نحو مناطق أخرى.
كما أن الطبيعة الجغرافية للسد وبحيرته تمنحه بعدًا دفاعيًا إضافيًا، إذ يشكّل حاجزًا طبيعيًا يصعب تجاوزه في العمليات العسكرية، ما يجعله نقطة ارتكاز مثالية لأي قوة تسعى لتثبيت نفوذها أو منع خصومها من التمدد؛ ولهذا السبب، ظل سد تشرين حاضرًا في صلب الحسابات العسكرية والسياسية لمختلف الأطراف، وتحول إلى هدف دائم في أي سيناريو لإعادة رسم خريطة السيطرة في شمالي البلاد.

دوره الاقتصادي في توليد الكهرباء وتوفير مياه الري والشرب
إلى جانب ثقله العسكري، يحتل سد تشرين موقعًا محوريًا في المنظومة الاقتصادية والخدمية شمالي سوريا، حيث بدأت أعمال إنشاء السد عام 1991 ودخل حيز التشغيل الفعلي عام 1999، ويصنف كثالث أكبر محطة لتوليد الكهرباء في البلاد بعد سد الطبقة في محافظة الرقة، والمحطة الحرارية في حلب.
كما يسهم السد في ري عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة.
ولا تقتصر أهمية السد على الكهرباء والري فحسب، بل تمتد إلى تأمين مصادر المياه لعدد كبير من التجمعات السكانية، سواء للاستخدام الزراعي أو لتلبية احتياجات الشرب، إذ يسهم السد في تغذية مساحات واسعة من ريفي حلب والرقة بالمياه، بما في ذلك محطة الخفسة التي تشكل مع محطة البابيري مصدراً رئيسياً لإمدادات المياه داخل محافظة حلب.
وقد أظهرت التجربة خلال الفترات التي تعطّل فيها عمل السد مدى حساسية هذه المنشأة، إذ انعكس أي توقف أو تراجع في أدائها بشكل مباشر على حياة المدنيين، عبر انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي واضطرابات في إمدادات المياه. من هنا، يُنظر إلى استقرار تشغيل سد تشرين بوصفه ضرورة خدمية واقتصادية ملحّة، تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية إلى صلب الحياة اليومية لسكان شمالي البلاد.

تعدد جهات السيطرة على السد
منذ اندلاع الثورة السورية، كان سد تشرين هدفًا مباشرًا لتبدّل موازين القوة في شمالي البلاد، ففي عام 2012، سيطر الجيش السوري الحر على السد بعد خروجه عن سيطرة النظام المخلوع، قبل أن ينتزع تنظيم داعش السيطرة عليه عام 2014 بالتزامن مع تمدده في مدينة منبج ومحيطها.
وفي أواخر عام 2015، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على السد ضمن عمليات عسكرية مدعومة من التحالف الدولي، ليبقى منذ ذلك الحين تحت إدارتها الفعلية.
ومنذ إحكام قسد سيطرتها، تحوّل سد تشرين إلى أحد أبرز نقاط الصراع العسكري والسياسي، باعتباره منشأة استراتيجية ذات وزن اقتصادي وأمني بالغ. ودافعت قسد عن السد بوصفه خطًا دفاعيًا متقدمًا، في مواجهة محاولات متكررة من فصائل الجيش الوطني للتقدم في ريف منبج والوصول إلى ضفاف الفرات.
وقد شهد محيط السد مواجهات عنيفة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها أواخر عام 2024، حين اندلعت معارك مكثفة في محاولة للعبور نحو غرب الفرات، قبل أن تتمكن قسد من تثبيت سيطرتها ومنع أي اختراق ميداني.
وفي ظل هذه المعادلة، بات سد تشرين ورقة ضغط أساسية في العلاقة بين قسد والحكومة السورية، خصوصًا مع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على قسد للتراجع عن بعض مواقعها والالتزام باتفاق العاشر من آذار، تفاديًا لانزلاق المشهد إلى مواجهة مفتوحة.

سد تشرين بين الحسم والتسوية
تشكل استعادة الحكومة السورية السيطرة على سد تشرين منعطفًا مفصليًا تتقاطع عنده الأبعاد السيادية والاقتصادية والسياسية، فمن جهة يتيح هذا التطور لدمشق بسط نفوذها على مرفق حيوي يُعد ركيزة أساسية في منظومة الطاقة والمياه، ما يعزز قدرتها على إدارة الموارد الوطنية، وتقوية شبكة الكهرباء، وتوسيع نطاق ري الأراضي الزراعية، ضمن مسار إعادة تكامل البنية التحتية للدولة.
وفي المقابل يعني فقدان السد تراجعًا إضافيًا في أوراق القوة بيد قسد، ويضعف موقعها التفاوضي، لا سيما بعد انكفائها مؤخرًا من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وهو ما قد يشجع الحكومة على المضي قدمًا في استعادة مزيد من المناطق الخارجة عن سيطرتها في الشمال الشرقي.
في هذا السياق يكتسب الموقف التركي وزنًا لافتًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة، إذ أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن وجود قسد غرب نهر الفرات، بما في ذلك مناطق دير حافر وغيرها، يُعد “أمرًا غير قانوني”، داعيًا هذه القوات إلى إظهار حسن النية والخروج من دوامة العنف.
وجاءت تصريحات فيدان اليوم الخميس خلال لقائه المبعوث الأميركي توم باراك، في إشارة تعكس توافقًا تركيًا–أمريكيًا متزايدًا على ضرورة إنهاء حالة السيطرة المنفردة لقسد في مناطق غرب الفرات، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة أكثر استقرارًا.
غير أن تداعيات استعادة سد تشرين تبقى مرهونة بكيفية تحققها، فسيناريو التسليم المنظم أو التسوية السياسية، ضمن تنفيذ متفق عليه لبنود المصالحة والاندماج، من شأنه تحييد المنشأة عن أي صدام عسكري، وضمان استمرار تشغيلها من دون انقطاع، بما يحول دون انعكاسات إنسانية أو خدمية واسعة.
في المقابل ينطوي خيار الحسم العسكري على مخاطر جسيمة، أبرزها احتمال تعرض السد لأضرار قد تؤدي إلى أزمة إنسانية وبيئية، في منطقة يعتمد مئات الآلاف من سكانها بشكل مباشر على ما يوفره من كهرباء ومياه.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تتزايد الدعوات الدولية، وفي مقدمتها الأميركية، إلى ضبط النفس وتغليب الحلول السياسية، تفاديًا لاتساع رقعة المواجهة في شمال شرقي سوريا. وبين ضغوط أنقرة، وحسابات واشنطن، وإصرار دمشق على استعادة سيادتها، يبدو سد تشرين اختبارًا حاسمًا لمسار المرحلة المقبلة، ولحدود الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق تثبيت الدولة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى